الشرق الأوسط وصراع النفوذ بقلم الأستاذ الدكتور / هشام فخر الدين
مما لا شك فيه أن الشرق الأوسط ساحة للصراعات منذ عقود طويلة، ويمثل أكثر المناطق إشتعالاً فى العالم إن لم يكن المتفرد بذلك. فلم يعد التصعيد الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط مجرد أزمة عابرة أو جولة جديدة من جولات التوتر التقليدية التي اعتادت عليها المنطقة خلال العقود الماضية، إنما أصبح أقرب إلى لحظة تاريخية فارقة قد تعيد تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية لسنوات طويلة قادمة. فالمشهد الحالي يكشف عن تصاعد غير مسبوق في مستويات الاحتكاك العسكري والاستراتيجي بين القوى الكبرى والفاعلين الإقليميين، في وقت تتراجع فيه أدوات الدبلوماسية التقليدية أمام منطق الردع العسكري وحسابات القوة.
فما يجري اليوم في الشرق الأوسط لا يمكن فهمه بوصفه مجرد مواجهة بين أطراف محددة، إنما هو في جوهره تعبير عن أزمة عميقة في بنية النظام الإقليمي نفسه. فمنذ نهاية الحرب الباردة لم تتمكن المنطقة من بناء منظومة أمن إقليمي مستقرة قادرة على إدارة التوازنات والصراعات بشكل مؤسسي. وبدلاً من ذلك ظلت المنطقة تعيش في حالة من التوازن الهش الذي يعتمد على الردع العسكري والتحالفات المتغيرة، وهو توازن سرعان ما ينهار مع كل أزمة كبيرة.
ولقد جاء التصعيد الأخير ليكشف هشاشة هذا التوازن. فالاحتكاك العسكري المتزايد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يمثل ذروة صراع طويل على النفوذ والهيمنة في المنطقة. ولا يتعلق هذا الصراع فقط بالبرنامج النووي الإيراني أو بالتحالفات العسكرية، إنما يرتبط أيضاً بمسألة أعمق تتعلق بمن يمتلك القدرة على تشكيل النظام الإقليمي الجديد في الشرق الأوسط.
وبوصف هذا التصعيد جزءً من عملية إعادة ترتيب لموازين القوى في المنطقة. فالولايات المتحدة التي كانت لعقود اللاعب المهيمن على النظام الإقليمي، تواجه اليوم واقعاً مختلفاً يتمثل في صعود قوى إقليمية تسعى إلى توسيع نفوذها السياسي والعسكري. وفي المقابل ترى إيران أن اللحظة الجيوسياسية الحالية تمنحها فرصة لتعزيز حضورها الإقليمي، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي وتراجع التركيز الأمريكي على الشرق الأوسط لصالح مناطق أخرى مثل شرق آسيا.
أما المحتل الإسرائيلى فينظر إلى هذه التطورات من زاوية أمنية وجودية. فبالنسبة لصانع القرار الإسرائيلي، فإن أي تطور في القدرات العسكرية أو النووية الإيرانية يمثل تهديداً مباشراً للتوازن الاستراتيجي الذي حافظت عليه إسرائيل لعقود عبر تفوقها العسكري والتكنولوجي بدعم أمريكى. ولذلك تبنت إسرائيل استراتيجية تقوم على الضربات الاستباقية والضغط العسكري المستمر بهدف منع خصومها من إمتلاك قدرات قد تغير قواعد اللعبة في المنطقة.
إلا أن خطورة الوضع الحالي لا تكمن فقط في احتمالات المواجهة المباشرة بين هذه الأطراف، بل في طبيعة الصراع نفسه. فالشرق الأوسط اليوم أصبح ساحة لما يمكن وصفه بالحروب الهجينة، حيث تختلط العمليات العسكرية التقليدية بالحرب السيبرانية والعمليات الاستخباراتية والحرب النفسية والإعلامية. حيث تجعل هذه الأنماط الجديدة من الصراع الحدود بين الحرب والسلم أكثر غموضاً، وتزيد من احتمالات التصعيد غير المقصود نتيجة سوء التقدير أو الحسابات الخاطئة.
ومن منظور أوسع فإن التصعيد الحالي يعكس أيضاً تحول الشرق الأوسط إلى أحد مسارح التنافس بين القوى الكبرى في النظام الدولي. فــــــــ روسيا والصين تراقبان تطورات المنطقة باعتبارها جزءً من الصراع الأوسع على النفوذ العالمي، بينما يسعى الاتحاد الأوروبي إلى تجنب انفجار شامل قد يؤدي إلى موجات جديدة من الأزمات الاقتصادية والإنسانية.
ولا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي لهذه الأزمة. فالشرق الأوسط يظل القلب النابض لأسواق الطاقة العالمية، وأي اضطراب في استقرار المنطقة ينعكس فوراً على أسعار النفط والغاز وعلى سلاسل الإمداد العالمية. ومن هنا فإن التصعيد العسكري لا يهدد فقط أمن المنطقة، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.
وفي ظل هذه المعادلة المعقدة تبدو المنطقة وكأنها تسير على حافة ما يمكن تسميته "حرب الاستنزاف الاستراتيجية"، حيث لا يسعى أي طرف بالضرورة إلى حرب شاملة، لكنه في الوقت نفسه يواصل الضغط العسكري والسياسي على خصومه في محاولة لتعديل ميزان القوى لصالحه. وهذا النوع من الصراعات غالباً ما يستمر لفترات طويلة ويوِجد بيئة من التوتر الدائم وعدم الاستقرار.
إلا أن التاريخ يعلمنا أيضاً أن مثل هذه البيئات المتوترة تحمل في طياتها خطراً دائماً يتمثل في الإنزلاق غير المقصود إلى حرب واسعة. فكلما ارتفع مستوى التوتر العسكري وزادت العمليات المتبادلة، ازدادت احتمالات حدوث خطأ استراتيجي أو حادث عسكري قد يشعل مواجهة أكبر مما كان مخططاً لها.
وإذا كان العالم قد اعتاد خلال العقود الماضية على أزمات الشرق الأوسط، فإن ما يحدث اليوم يحمل سمات مختلفة. فالتشابك بين الأبعاد العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية للصراع يجعل من هذه الأزمة واحدة من أكثر الأزمات تعقيداً في تاريخ المنطقة الحديث. كما أن تداخل المصالح الدولية والإقليمية يزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية سريعة أو مستقرة.
ولاشك أن الشرق الأوسط اليوم يقف أمام مفترق طرق حاسم. فإما أن تنجح الجهود الدولية في احتواء التصعيد وفتح مسار دبلوماسي جديد يعيد التوازن إلى المنطقة، أو أن يستمر منطق القوة والتصعيد المتبادل، وهو ما قد يقود إلى مرحلة جديدة من الصراعات المفتوحة التي تتجاوز حدود المنطقة لتؤثر في النظام الدولي بأسره.
والسؤال الحقيقي الذي يواجه العالم اليوم ليس فقط ما إذا كانت الحرب ستندلع في الشرق الأوسط أم لا؟، وإنما هل النظام الدولي الحالي يملك القدرة على منعها؟. فالتاريخ يثبت أن الأزمات الكبرى لا تنفجر فجأة، بل تتراكم تدريجياً حتى تصل إلى نقطة يصبح فيها التراجع أكثر صعوبة من المواجهة. وفي ظل التصعيد الحالي يبدو أن الشرق الأوسط يقترب بسرعة من تلك النقطة الحرجة التي قد تحدد شكل المنطقة، وربما شكل العالم في العقود القادمة.
Recent comments