الصرخة الصامتة بقلم الأستاذ الدكتور/ هشام فخر الدين
مما لا شك فيه أن مهام السلطة التشريعية بغرفتيها فى أى مجتمع تكون في ضوء الدستور والقانون، من خلال ممارسة سنّ القوانين، واعتماد الموازنة العامة، ومراقبة أداء السلطة التنفيذية بما يكفل عدم انحرافها عن الصالح العام. وتضطلع الغرفة الأولى بالدور التشريعي والرقابي المباشر، فيما تتولى الغرفة الثانية تقديم المشورة السياسية والتقييم الاستراتيجي لمشروعات القوانين والسياسات العامة قبل إقرارها. كما تتكامل الغرفتان في ترسيخ مبادئ الفصل بين السلطات وتعزيز الشفافية وضبط الأداء الحكومي. وبذلك تصبح المؤسسة التشريعية، بتركيبتها الثنائية، ضمانة للتوازن السياسي وحامية للإرادة الشعبية والمسار الدستوري.
ولعل إصلاح العملية الإنتخابية فى أى مجتمع لم يعد مجرد مطلب متكرر في الخطاب العام، بل أصبح قضية وجودية تتعلق بصلابة الدولة وثقة المواطن في مؤسساتها وقدرتها على إعادة بناء الحياة السياسية على أسس سليمة. فالواقع الذي وصلت إليه الإنتخابات لم يعد قابلًا لاستمراره، بعدما تحولت العملية الديمقراطية إلى طقس شكلي لا يعكس إرادة الناس، بل إرادة من يمتلك المال والنفوذ. ومع اتساع الفجوة بين الشارع ومؤسسات التمثيل السياسي، تآكلت قيم المشاركة، ووصل المواطن إلى قناعة مريرة بأن الإنتخابات ليست ساحة تنافس بين برامج ومشروعات، وإنما سوق مفتوح يشتري فيه من يملك المال مقعداً في المجلس، ثم يجلس فوق كرسيه دون أن يقدم شيئاً للناس، تاركًا الدائرة التي انتخبته للفقر والاحتياج والإهمال.
ولعل أولى خطوات الإصلاح التى يجب أن يبدأ بها من يملك القرار هي مواجهة شبكة المال السياسي التي أصبحت تتحكم في مسار الترشيح داخل الأحزاب نفسها. فبدلًا من أن تكون الأحزاب مؤسسات سياسية تفرز الكفاءات وتقدم البرامج، تحولت في السنوات الأخيرة إلى بوابات عبور تُفتح أمام من يدفع أكثر، وإلى كيانات تُسلّم مفاتيح الترشح لمن يقدم التمويل، أو لشراء ولاء قواعده، أو لضمان إدراج اسمه على رأس القوائم. وهنا يطرح المواطن سؤالًا مشروعاً: من أين لمُرشح يسعى لعضوية مجلس تشريعي أن يدفع الملايين؟ وكيف يُسمح لهذا العبث أن يستمر دون رقابة حقيقية؟ والأهم: أين تذهب؟ وهل تتم مراقبة ميزانيات الأحزاب وما يدخل صناديقها وما يخرج منها؟
فــــــــــــ غياب الرقابة الصارمة على الإنفاق الحزبي فتح الباب أمام ممارسات تثير التساؤلات، وتهدد مفهوم المشاركة السياسية وحقوق المواطنة وتخالف الدستور والقانون. وما لم تُخضع الدولة الأحزاب لرقابة مالية دقيقة، ولإفصاح إلزامي عن مصادر التمويل ومصارف الإنفاق علناً وبكل شفافية للمواطن. ستظل هذه المؤسسات تتحول تدريجياً إلى شركات تجارية لا همّ لها سوى بيع الترشح وتوزيع المقاعد على من يستطيع الدفع، بينما تُقصى الكفاءات الحقيقية لأنها لا تملك المال ولا تستطيع شراء مقعد تشريعي.
فـــــــــــ إصلاح العملية الإنتخابية يحتاج إلى إعادة صياغة كاملة لقواعد الترشح، بحيث لا يكون المال هو البوابة التي يُسمح من خلالها بالوصول إلى البرلمان. بل يجب أن تُبنى معايير اختيار المرشحين على الكفاءة العلمية والمهنية، وعلى السجل المجتمعي، وعلى القدرة على وضع تشريعات تخدم المواطن. كما يجب إخضاع المرشحين لاختبارات تقييم علمية ونقاشات علنية، ونشر سيرهم الذاتية كاملة بشفافية أمام الناس. فالمقعد النيابي ليس ملكًا لحزب ولا لرجال المال، بل هو ملك للناس، والناس وحدهم من يحق لهم أن يعرفوا من الذي سيمثلهم، وما تاريخه، وما برنامجه، وما قدرته على تنفيذ وعوده.
وفي الوقت ذاته لابد من التخلى عن فكرة الامتيازات والمكافآت والحصانات المطلقة، تلك التي جعلت المقعد النيابي هدفاً يطارده الباحثون عن السلطة والثروة والنفوذ. فغياب الإمتيازات هو أول خطوة نحو استعادة الهيبة الحقيقية للمجلس. كما يجب على النائب أن يدخل البرلمان باعتباره خادماً للشعب لا سيداً فوقه، وأن يكون وجوده في المجلس تكليفاً وطنياً لا باباً لجمع المصالح. ويجب أن تكون الحصانة فقط لحماية الرأي داخل البرلمان، لا لحماية المخالفات. والمكافآت يجب إلغاؤها، والامتيازات يجب أن تُرفع كلها، حتى يصبح دخول المجلس رغبة في خدمة الوطن وليس رغبة في الحصول على وضع اجتماعي أو حماية أو دخل إضافي.
فلم يعد المواطن غافلاً عمّا يحدث، ولم يعد يصدق الشعارات التي تُرفع قبل الإنتخابات، ثم تتبخر بمجرد إعلان النتائج. فلقد أصبح يشعر بأن الإنتخابات محسومة مسبقاً، وأنها مسرحية هزلية يشارك فيها دون أن يكون لصوته قيمة حقيقية. وأن الأحزاب تتصارع على المقاعد لا على خدمة الناس، وأن الأموال التي تُدفع في الحملات والقوائم لا يُعرف مصدرها ولا مصيرها. فهذا الإحساس المتراكم بالاستبعاد والتهميش أنتج حالة واسعة من العزوف عن المشاركة السياسية، حتى بات كثير من المواطنين يقولون إن الذهاب إلى لجان الإنتخابات مجرد وقت ضائع، وإن النتائج تُعرف قبل أن تُفتح الصناديق.
فــــــارتفاع نسبة العزوف عن التصويت ليس علامة على اللامبالاة كما يُقال، بل هو صرخة صامتة احتجاجاً على غياب العدالة الإنتخابية، وعلى شعور الناس بأن أصواتهم تُستخدم فقط لتجميل مشهد سياسي لا يعبر عنهم. فحين يشعر المواطن أن المرشحين الحقيقيين الذين يمكنهم خدمته ممنوعون من الوصول بسبب ضعف الموارد المالية أو بسبب رفضهم الإنخراط في شبكات النفوذ، وحين يرى أن المقاعد تُمنح لأصحاب المال لا لأصحاب الرؤى، فمن الطبيعي أن يفقد الثقة في العملية السياسية كلها.
ولذلك فإن كانت هناك إرادة حقيقية لإستعادة الثقة الشعبية، يجب أن تُعيد الاعتبار لمفهوم الإنتخابات بوصفها وسيلة للتعبير عن إرادة الناس لا وسيلة لتوزيع المناصب. يجب أن تُحكم الرقابة على الإنفاق الحزبي والانتخابي، وأن تُعاقب بشدة كل من يثبت دفعه أو حصوله على أموال لشراء نفوذ سياسي. فيجب إعادة بناء منظومة إنتخابية تضمن تكافؤ الفرص، وتُعيد الحياة الحقيقية للأحزاب، وتفتح أبواب المشاركة أمام الخبرات والكفاءات من دون أن يُفرض عليها شراء مكانها.
وحين يتحول المجلس التشريعي إلى مؤسسة خدمية تخدم الشعب فعلًا، وحين يختفي المال السياسي، وحين تُلغى الامتيازات وتُحاصر شبكات النفوذ، سيشعر المواطن لأول مرة منذ سنوات أن البرلمان صوته الحقيقي، وأن الدولة جادة في إعادة بناء الحياة السياسية على أسس نظيفة. حينها فقط ستعود المشاركة السياسية، وسترتفع الثقة، وسيدرك الجميع أن الديمقراطية ليست شكلاً ولا ديكوراً، بل مسؤولية تُبنى على الشفافية والعدالة والإرادة الوطنية الصادقة.
Recent comments