النرجسية السياسية وانحراف النخبة ..... ترامب وإبستين
بقلم الأستاذ الدكتور/ هشام فخر الدين
لم تعد فضائح جيفري إبستين، ولا الجدل المثار باستمرار حول شبكة علاقاته بالنخب السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة، مجرد قضايا جنائية أو أخلاقية معزولة، بل تحولت إلى مرآة كاشفة لبنية السلطة في النظام السياسي الأمريكي، وما تنطوي عليه من اختلالات نفسية وثقافية ومؤسسية. وفي هذا السياق تبرز العلاقة التي ربطت دونالد ترامب الرئيس الأمريكي بــــــــــــــ إبستين بوصفها مدخلًا تحليلياً مهماً لفهم طبيعة التواطؤ الرمزي داخل النخبة الحاكمة، بعيداً عن منطق الإدانة القانونية المباشرة أو الدفاع الأيديولوجي. فالمقاربة النفسية-السياسية لا تسعى إلى إصدار أحكام قضائية، بل إلى تفكيك أنماط السلوك والخطاب والثقافة التي سمحت بظهور مثل هذه القضايا واستمرارها.
تُعد قضية إبستين نموذجاً لما يسميه علم الاجتماع السياسي بإنحراف النخبة، حيث لا تُمارس الانتهاكات في الهامش الاجتماعي، بل داخل دوائر النفوذ المغلقة التي تمتلك القدرة على إعادة تعريف ما هو مقبول أخلاقياً، أو على الأقل تحييده عن دائرة المساءلة. ولقد أتاح رأس المال المالي والرمزي لإبستين بناء شبكة علاقات ضمت سياسيين، ورجال أعمال، وشخصيات عامة، ما أوجد بيئة حاضنة للتطبيع التدريجي مع السلوك المنحرف. ومن منظور علم النفس الاجتماعي، يعمل هذا التطبيع عبر آليات مثل تبلد الضمير الأخلاقي الجمعي، وتبادل الصمت مقابل الحماية، وتحويل الانتهاك إلى سلوك خاص لا يستدعي التدخل طالما ظل داخل الدائرة النخبوية.
وفي هذا الإطار تكتسب علاقة ترامب بـــــ إبستين دلالتها التحليلية، لا بوصفها دليلًا على تورط جنائي مثبت، بل بوصفها مؤشراً على طبيعة الثقافة السياسية والاجتماعية التي تحكم النخب. فالتصريحات العلنية التي أدلى بها ترامب في تسعينيات القرن الماضي، والتي أشار فيها إلى معرفة بطبيعة ميول إبستين، تعكس نمطاً من الخطاب الذي يُظهر تساهلًا أخلاقياً واضحاً، ويكشف عن قدرة النخبة على التعامل مع الانحراف بوصفه تفصيلًا هامشياً لا يهدد الشرعية الاجتماعية. هنا يصبح الخطر الحقيقي ليس في الفعل وحده، بل في اللغة التي تُحيّده، وفي الصمت الذي يشرعنه ضمنياً
ومن منظور علم النفس السياسي تُحلل شخصية ترامب ضمن إطار النرجسية السلطوية، وهي بنية نفسية تتسم بتضخم صورة الذات، والشعور بالإستحقاق المطلق، وضعف التعاطف مع الآخر، والنزوع إلى استخدام العلاقات كوسائل لتحقيق النفوذ لا كروابط أخلاقية. وهذا النمط من الشخصية يميل إلى إعادة تعريف القواعد وفق المصلحة، ويُظهر قدرة عالية على التعايش مع التناقضات الأخلاقية، طالما لا تهدد الصورة الذاتية أو المشروع السلطوي. وعليه فإن الوجود في محيط شخصيات مثيرة للجدل لا يُنظر إليه بوصفه أزمة قيم فقط، بل كجزء من لعبة القوة والنفوذ داخل فضاء نخبوية مغلقة وفاسدة.
ويتضاعف هذا البعد النفسي خطورة عندما يُقرأ في سياق الصمت المؤسسي الذي أحاط بقضية إبستين لفترات طويلة. فالمؤسسات السياسية والإعلامية لم تتعامل مع القضية بوصفها تهديداً بنيوياً للقيم الديمقراطية، بل كملف قابل للتسييس أو الإهمال وفق موازين القوى. ويفسر علم النفس السياسي هذا السلوك عبر مفهوم الإنكار الدفاعي المؤسسي، حيث تميل الأنظمة إلى حماية رموزها لا من خلال التبرئة الصريحة، بل عبر تفتيت السردية، وتحويل النقاش من سؤال أخلاقي إلى صراع حزبي، أو التشكيك في مصداقية الضحايا، بما يؤدي في النهاية إلى إنهاك الرأي العام وإفراغ القضية من مضمونها الأخلاقي.
وتكشف فضائح إبستين وما ارتبط بها من أسماء نافذة، عن تداخل عميق بين السلطة والجنس والسيطرة، حيث لا يُفهم السلوك الجنسي المنحرف في هذه الحالات بوصفه رغبة فردية فقط، بل كأداة رمزية لإثبات الهيمنة وكسر الحدود الأخلاقية والاجتماعية. وفي التحليل النفسي الحديث يعبر هذا النمط من السلوك عن هوس السيطرة، حيث يتحول الجسد الأضعف، وخاصة جسد القاصر، إلى مساحة لإطلاق القوة المطلقة دون مساءلة. فهذا التداخل بين السلطة والانتهاك يعكس خللًا عميقًا في منظومة القيم التي تحكم النخب، ويكشف عن الوجه المظلم للهيمنة داخل البنية السياسية.
ولقد ساهمت هذه القضايا في تعميق أزمة الثقة بين المواطن والمؤسسات الديمقراطية في الولايات المتحدة. فعندما يرى الرأي العام أن العدالة انتقائية، وأن النخب قادرة على الإفلات من المحاسبة، تتآكل الشرعية الأخلاقية للنظام، وتتصاعد مشاعر الاغتراب والسخط. وهذه البيئة النفسية والاجتماعية تشكل تربة خصبة لصعود الشعبوية الراديكالية، التي توظف الغضب الشعبي دون أن تعالج جذوره البنيوية. والمفارقة أن ترامب نفسه استفاد من هذه الحالة، مقدماً نفسه بوصفه مناهضاً للنخبة، رغم كونه نتاجاً مباشراً لها وجزءً من شبكاتها الرمزية.
ولا يمكن فهم فضائح ترامب وإبستين بوصفها مجرد انحرافات فردية أو أحداث عابرة، بل يجب قراءتها كنتاج لبنية سلطة مختلة تتداخل فيها النرجسية السياسية مع الانحراف الأخلاقي، ويحميها صمت مؤسسي طويل الأمد. لذلك فإن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في الأفعال التي كُشف عنها، بل في الثقافة التي سمحت بها، ووفرت لها الحماية، وأعادت إنتاجها داخل النظام السياسي ذاته. ومن دون تفكيك هذه الثقافة على المستويين النفسي والسياسي، ستظل الفضائح تتكرر بأسماء مختلفة، وستظل الديمقراطية مهددة من داخلها قبل أي تهديد خارجي.
Recent comments