بين الأصوات المتضاربة… أين يقف اللبنانيون فعلاً من المقاومة؟
غنى شريف
في خضم السجالات السياسية والإعلامية الدائرة في لبنان، تتكاثر محاولات تصوير المشهد الداخلي على أنّ “اللبنانيين ضد المقاومة”، أو أن هناك إجماعاً على رفض دورها. غير أن القراءة الميدانية والواقعية للمجتمع اللبناني تُظهر صورة أكثر تعقيداً وأقرب إلى التوازن، إذ إن شريحة واسعة من اللبنانيين، ومن مختلف الطوائف والمناطق، ما تزال ترى في المقاومة جزءاً من منظومة حماية البلاد، لا عبئاً عليها.
بين الصوت المرتفع والتمثيل الشعبي
تظهر من حين لآخر أصوات فردية تهاجم المقاومة وتقدّم نفسها على أنها تعبّر عن “الرأي العام”. إلا أنّ هذه المواقف، مهما علت حدّتها، تبقى من دون سند واضح في الشارع. فالمعيار الحقيقي لأي تمثيل سياسي أو شعبي يبقى الحضور على الأرض، لا الضجيج الإعلامي.
وقد عكست المشاركة الحاشدة في تشييع الامين العام السابق للمقاومة السيد حسن نصرالله مؤخراً، والتي جمعت مئات الآلاف من مختلف المناطق والطوائف، حقيقة لا يمكن تجاهلها حول حجم التأييد الشعبي لهذا الخيار. فبينما تملك بعض الأصوات قدرة كبيرة على الوصول الإعلامي، يبقى الشارع هو المقياس الأكثر دقة لتحديد اتجاهات الرأي العام.
الدولة اللبنانية… حضور سياسي وغياب دفاعي على الحدود
من المهم فهم السياق التاريخي الذي نشأت فيه المقاومة. فمنذ عقود، واجهت الدولة اللبنانية تحديات كبيرة حدّت من قدرتها على حماية الحدود الجنوبية، إما بسبب ضعف الإمكانات العسكرية أو بفعل التعقيدات السياسية الداخلية. وعلى الرغم من الجهود التي يبذلها الجيش اللبناني، إلا أن الواقع الجغرافي وطبيعة الاعتداءات التي تعرضت لها القرى الجنوبية جعلت السكان يشعرون بأنهم في مواجهة مفتوحة تتجاوز قدرة الدولة على الردع.
في هذا الفراغ الدفاعي نشأت المقاومة كحاجة محلية قبل أن تتحوّل إلى تنظيم منظّم. وقد شكّل هذا الواقع سبباً رئيسياً لدى فئات واسعة من اللبنانيين للاعتقاد بأن وجود المقاومة لم يكن خياراً منفصلاً عن الدولة، بل نتيجة مباشرة لعجز الدولة عن القيام بدورها الكامل في حماية الحدود.
دعوات حلّ المقاومة… بين القناعة والتأثير الخارجي
تُطرح بين الحين والآخر دعوات تدعو إلى تفكيك المقاومة أو سحب سلاحها، لكن حضور هذه الدعوات على المستوى الشعبي ما يزال محدوداً. بعض هذه الأصوات يستند إلى قناعات سياسية خاصة، وبعضها الآخر يتأثر بخطابات خارجية أو بسوء فهم لطبيعة الأوضاع الأمنية.
غير أن موقف قسم من اللبنانيين المؤيّد للمقاومة يستند إلى قناعة بأن أي تفكيك غير مدروس لقدرة الردع سيعيد الجنوب إلى مرحلة هشاشة كان قد عاشها في فترات سابقة، ما يعيد السؤال الأساسي: من سيحمي المناطق الحدودية في حال غياب قدرة دفاعية إضافية؟
الاقتصاد بين الداخل والخارج
غالباً ما تُربط الأزمة الاقتصادية في لبنان بالوضع الأمني أو السياسي، مع أن أسباب الانهيار المالي أعمق وأكثر تعقيداً، وتشمل عقوداً من سوء الإدارة والفساد والسياسات المالية الخاطئة. وفي المفارقة، يشهد العالم نفسه تحولات اقتصادية، لا سيما في الولايات المتحدة، حيث بدأت أصوات شعبية تتصاعد مطالبة بإعادة النظر في حجم المساعدات الخارجية خاصة تلك الموجهة للحلفاء في ظل الضغوط الاقتصادية الداخلية.
خلاصة
المشهد اللبناني ليس أبيض أو أسود. فالدعم للمقاومة موجود بقوة، كما أن الاعتراض عليها موجود أيضاً، لكنّ حجم كل منهما يُقاس بالوقائع لا بالشعارات. وفي الوقت الذي تبقى فيه الدولة اللبنانية المرجعية الأساسية، يظل جزء من اللبنانيين مقتنعاً بأن غياب قدرة الدولة على حماية الحدود هو ما جعل دور المقاومة يظهر ويتجذّر.
Recent comments