تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
M

حافة الردع النفسي والحرب الصامتة


بقلم الأستاذ الدكتور/ هشام فخر الدين 
لاشك أن أخطر الحروب ليست تلك التي تُسمع فيها أصوات الانفجارات، بل تلك التي لا يسمعها أحد. حيث يشكّل التوتر المستمر بين إيران والولايات المتحدة نموذجاً معاصراً معقداً لما يمكن تسميته بالصراع المركب متعدد المستويات، وهو صراع لا يمكن فهمه من زاوية عسكرية أو سياسية صرفة، بل يتطلب مقاربة تحليلية نفسية سياسية عسكرية، تكشف عن جزء مما يحدث لا ينتمي إلى الحرب التقليدية، وإنما إلى فضاء الحرب النفسية الإستراتيجية التي تُدار بعناية محسوبة لتشكيل الإدراك قبل تغيير الوقائع. فالحرب النفسية هنا ليست مجرد دعاية أو خطاب إعلامي، وإنما منظومة تأثير متكاملة تُستخدم فيها الرسائل الرمزية، والتهديدات المعلنة والتحركات العسكرية المحدودة، والتسريبات الاستخباراتية، كأدوات لإعادة تشكيل وعي الخصم وتوقعاته وسلوكه دون الوصول إلى لحظة الاشتباك المباشر.
ويمارس كلٍ منهما نوعاً من إدارة الإدراك المتبادل، حيث تحاول كل دولة رسم صورة ذهنية عن نفسها لدى الأخرى باعتبارها قادرة على الردع ومستعدة للتصعيد. ولكن دون راغبة فعلية في الحرب الشاملة من كلا الطرفين. وهذه المعادلة النفسية الدقيقة تمثل جوهر الاستراتيجية لأنها تسمح بتحقيق أهداف سياسية دون دفع كلفة المواجهة العسكرية المباشرة.
حيث تبدو التصريحات المتبادلة أحياناً متشددة أو تصعيدية لا تُفهم بوصفها مجرد انفعالات خطابية، وإنما كرسائل مقصودة مصممة لإنتاج أثر نفسي محدد مثل بث القلق أو زرع الشك أو فرض معادلة ردع إدراكي، فحين تعلن دولة ما أنها تراقب تحركات خصمها عن كثب أو أنها تمتلك خيارات متعددة للرد. فهي لا تخاطب الرأي العام فقط، إنما تستهدف البنية المعرفية لصانع القرار لدى الطرف الآخر بحيث يصبح مضطراً لإعادة حساباته تحت ضغط احتمالات غير مؤكدة.
 ويعتبر هذا النوع من الضغط الذهني في الدراسات الاستراتيجية أكثر فاعلية من الضغط العسكري المباشرفى كثير من الأحيان. باعتباره يعمل على إيجاد حالة استنزاف نفسي مستمر تدفع الخصم إلى اتخاذ قرارات دفاعية دون وقوع هجوم فعلي. كما أن استعراض القوة المحدود مثل تحريك قطع بحرية، أو إجراء مناورات عسكرية أو الإعلان عن تطوير منظومات تسليح جديدة يدخل ضمن إطار ما يسمى بعلم نفس الردع، حيث لا يكون الهدف استخدام القوة وإنما إقناع الخصم بأن استخدامها ممكن.
 ومن زاوية التحليل العسكري فإن هذا النمط من الصراع يعكس تحولاً في طبيعة الحروب المعاصرة التي لم تعد تعتمد فقط على الاشتباك الميداني، وإنما على السيطرة على فضاء المعلومات والانطباعات والتوقعات. حيث أصبح الإدراك نفسه ميدان معركة، فالدولة التي تنجح في جعل خصمها يتوقع هزيمته أو يخشى تصعيدها تكون قد حققت تفوقاً استراتيجياً دون إطلاق رصاصة.
 وهنا يلتقى العسكري بالنفسي لأن التخطيط العملياتي لا يكتمل إلا بتقدير الحالة المعنوية للخصم ومدى استعداده للمخاطرة. بالإضافة إلى أن الخطاب المتبادل بين الطرفين اجتماعياً وسياسياً موجّه أيضاً إلى جماهيرهما الداخلية، حيث تحتاج كل قيادة إلى ترسيخ صورة القوة والحزم أمام شعبها وحلفائها. وبالتالي فإن جزءً من التصعيد اللفظي يخدم وظيفة داخلية تتعلق بالشرعية السياسية وإدارة الرأي العام، بقدر ما يخدم وظيفة خارجية تتعلق بردع الخصم.
ولعل ذلك ما يفسر ظاهرة التناقض الظاهري بين حدة الخطاب وهدوء السلوك الفعلي بين الطرفين. إذ قد تتصاعد التصريحات بينما تظل التحركات العسكرية ضمن حدود محسوبة، وهو ما يشير إلى أن الهدف ليس الحرب، بل إدارة التوتر بوصفه أداة استراتيجية. كما أن الحرب النفسية في هذا السياق تعتمد على عنصر الغموض المتعمد، فكل طرف يحرص على إبقاء جزء من قدراته أو نواياه غير واضح تماماً. باعتبار الغموض يولد القلق والقلق يولد الحذر والحذر يمنع التصعيد، وبذلك يصبح الغموض  فى حد ذاته سلاحاً ردعياً. 
كما يمكن فهم العلاقة بين الطرفين باعتبارها لعبة توازن هش بوجهة نظر الألعاب الاستراتيجية، حيث يسعى كل طرف إلى إظهار الاستعداد للتصعيد دون الوصول إليه، حيث إن الوصول إليه يعني خسارة مشتركة، ولذلك فإن الرسائل المتبادلة تُصاغ غالباً بلغة مزدوجة تحمل تهديداً ضمنياً وطمأنة ضمنية في الوقت نفسه، وهو أسلوب معروف في الدبلوماسية القسرية التي تهدف إلى تعديل سلوك الخصم عبر الضغط النفسي لا عبر القتال. 
 وبتحليل سيكولوجي قيادي فإن صانعي القرار في مثل هذه الصراعات يدركون أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو سوء الفهم الإدراكي، لذلك يستخدمون التصريحات والإشارات كآليات لضبط تفسير الطرف الآخر لنواياهم، بمعنى أن الرسالة لا تكون موجهة فقط لما يُقال، بل لكيف سيُفهم. وهذا ما يجعل اللغة السياسية والعسكرية شديدة الدقة ومحسوبة المفردات، باعتبار أن كلمة واحدة قد تغيّر تفسير النية من ردع إلى تهديد أو من تهديد إلى استعداد للحرب.
 ومن ثم فإن ما يجري بين الدولتين هو أقرب إلى مبارزة إدراكية طويلة الأمد، تسعى فيها كل جهة إلى السيطرة على عقل خصمها قبل أن تفكر في السيطرة على أرضه. وهو نمط صراع ينسجم مع طبيعة النظام الدولي المعاصر الذي أصبحت فيه كُلفة الحرب المباشرة مرتفعة للغاية،  خاصة بين قوى تمتلك قدرات عسكرية كبيرة. لذلك تتحول المواجهة إلى ساحة غير مرئية هي ساحة الإدراك والتوقع.
لذلك فإن ما يحدث  هو حرباً نفسية، تدخل ضمن صراع استراتيجي شامل، تستخدم فيه الحرب النفسية كأداة مركزية ضمن حزمة أدوات تشمل الضغط الاقتصادي والمناورة الدبلوماسية والتموضع العسكري والتحالفات الإقليمية.  فالحرب النفسية هنا ليست بديلاً عن الصراع، وإنما أحد مستوياته الأساسية البالغة الأهمية. باعتبار أن نتائجه قد تحدد ما إذا كان الصراع سيبقى في إطار الرسائل والرموز أم سينتقل إلى مرحلة الاشتباك المباشر.
 ولهذا فإن فهم هذا البعد النفسي لا يُعد ترفًا تحليلياً بل ضرورة لفهم منطق السلوك السياسي والعسكري للطرفين، إذ إن من يقرأ الأحداث قراءة سطحية قد يظن أن التصعيد اللفظي مؤشر حرب قادمة، بينما القراءة النفسية الاستراتيجية تكشف أنه قد يكون مؤشر تجنب حرب، وهذا التناقض الظاهري هو جوهر اللعبة بينهما حيث يصبح التهديد وسيلة لحفظ السلام،  والتوتر وسيلة لمنع الانفجار. وهي مفارقة تعكس طبيعة الصراعات الكبرى في القرن الحادي والعشرين حيث لا تُحسم المواجهات دائماً في ميادين القتال بل كثيراً ما تُحسم أولاً في ميادين العقول.

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.

test

ARAB OPEN UNIVERSITY
Advertisment
The subscriber's email address.