تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
سوريا بين النار والظل: دولة منهكة وصراع مفتوح بلا نهاية

سوريا بين النار والظل: دولة منهكة وصراع مفتوح بلا نهاية

بقلم الأستاذ الدكتور/ هشام فخر الدين 
تشهد الساحة السورية اليوم واحدة من أكثر البيئات السياسية والعسكرية تعقيداً في المنطقة، حيث تتداخل آثار الحرب الطويلة مع ديناميات إقليمية جديدة وصراعات نفوذ متشابكة تجعل الصورة العامة مضطربة وغير مستقرة. فمنذ عام 2011 دخلت سوريا في طور من الإنهيار المتدرج،  حيث كانت البداية احتجاجات مدنية واجتماعية واسعة سرعان ما تحولت إلى صراع مسلح متعدد الأطراف، ثم إلى حرب إقليمية بالوكالة، لتستقر اليوم في حالة الـــــــــــــــ لا حرب والــــــــــــ لا سلم، تتخللها ضربات جوية وتغيرات في خرائط السيطرة واستقطابات دولية عميقة. 
فــــــــــ هذا التحول المعقد جاء نتيجة سياسات داخلية وخارجية متراكمة، فقد كان للنظام السوري بقيادة بشار الأسد دور محوري فيها، سواء عبر طريقة تعامله مع الإحتجاجات الأولى أو عبر الخيارات الأمنية والعسكرية التي اتخذها لاحقاً، والتي تركت آثاراً طويلة المدى على البنية الاجتماعية والسياسية للبلاد.
ففي السنوات الأولى للأزمة اعتمد النظام السوري على مقاربة أمنية صلبة لقمع الاحتجاجات، مستخدماً القوة العسكرية والأجهزة الأمنية بقدر واسع، مما أدى إلى توسع نطاق العنف وتدخل أطراف خارجية، وفتح الباب لتشكل فصائل مسلحة معارضة، وظهور جماعات متطرفة مثل داعش وجبهة النصرة. وكشفت هذه السياسات عن أزمة بنيوية تتمثل في تراجع شرعية السلطة، وانهيار جسور التواصل بينها وبين قطاعات واسعة من المجتمع، بالإضافة إلى تآكل مؤسسات الدولة لصالح الأجهزة الأمنية. ومع اتساع رقعة الصراع بدا النظام عاجزاً عن السيطرة على البلاد دون الاعتماد المكثف على الدعم الإيراني والروسي، وهو ما أتاح لقوى إقليمية ودولية أن تتحول من داعمين إلى شركاء مباشرين في إدارة الصراع، وإعادة رسم موازين القوى على الأرض السورية.
وبـــــ مرور الوقت نشأت ثلاث مناطق نفوذ رئيسية داخل سوريا، لكل منها بيئتها الخاصة وحساباتها المتصلة بقوى خارجية. فالنظام السوري يسيطر على مناطق مركزية تمتد من دمشق إلى الساحل وحمص وحماة، بدعم مباشر من روسيا وإيران. بينما تخضع المنطقة الشمالية الغربية لفصائل معارضة مسلحة تدعمها تركيا، وتسيطر قوات سوريا الديمقراطية على الشمال الشرقي بدعم أمريكي. وتشهد البادية السورية نشاطاً متقطعاً ولكنه خطير لخلايا تنظيم داعش، مما يُبقي المشهد الأمني مفتوحاً على احتمالات تصعيد مفاجئ. 
وهذا التشظي الجغرافي والسياسي هو أحد الآثار المباشرة للسياسات التي اتبعها النظام، إذ أدى التركيز على الحلول العسكرية والقبضة الأمنية إلى إضعاف قدرة الدولة على الحفاظ على وحدة مؤسساتها ووظائفها، مما سمح لقوى خارجية بالتموضع داخل الأراضي السورية وتوجيه مسارات الصراع بما يخدم مصالحها.
وعلى المستوى العسكري نجد أن سوريا أصبحت ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية، خاصة بين إيران وإسرائيل. فمع توسع النفوذ الإيراني في سوريا ووجود ميليشيات مدعومة من طهران على امتداد الجغرافيا السورية، تبنّت إسرائيل منذ عام 2013 ما يُعرف بـالحرب بين الحروب، وهي استراتيجية قائمة على توجيه ضربات جوية وصاروخية دقيقة تستهدف مواقع ومستودعات ومراكز قيادة لفصائل مرتبطة بإيران، بالإضافة إلى استهداف البنية العسكرية التي يتم بناؤها قرب الجولان وفي محيط دمشق والبادية. وأصبحت هذه الضربات جزءاً ثابتاً من المشهد العسكري السوري، وهي تأتي في إطار سعي ميليشيا الاحتلال الإسرائيلى لمنع إيران من تثبيت بنية عسكرية متقدمة أو نقل أسلحة نوعية لحزب الله. ورغم أن النظام السوري يصف هذه العمليات بأنها انتهاك لسيادة البلاد، إلا أن الواقع يشير إلى محدودية قدرته على الرد، نظراً لاختلال ميزان القوة وارتباط قدراته الدفاعية بــــــــ روسيا. 
فـــــــــ لقد ساهمت هذه التطورات في زيادة هشاشة الوضع الداخلي السوري، حيث يعيش البلد حالة شبه دائمة من الاستنزاف العسكري والاقتصادي. فالضربات الجوية الإسرائيلية، والاحتكاكات بين الميليشيات المدعومة من إيران والقوات الأمريكية، والصراع بين تركيا وقوات سوريا الديمقراطية، كلها عوامل تعمل على إيجاد بيئة أمنية متقلبة تعرقل أي محاولات فعلية لإعادة الإعمار أو تحقيق استقرار مستدام. ومع انشغال روسيا بالحرب في أوكرانيا، تراجع حضورها العسكري النشط في سوريا، مما فتح المجال أمام إيران لتعزيز نفوذها، وأتاح لإسرائيل تكثيف ضرباتها دون مواجهات واسعة واحتلال العديد من المناطق فى الداخل السورى جبل الشيخ.
حيث بدأ الغزو الإسرائيلي لسوريا وأطلق عليه المحتل الاسرائيلى سهم باشان هي عملية عسكرية جوية وبرية شنَّتها إسرائيل في يوم الأحد 8 كانون الأول ديسمبر 2024 بعد ساعات من  سقوط بشار الأسد فى سوريا، حيث توغلت ميليشيا الاحتلال داخل المنطقة العازلة والقنيطرة وجبل الشيخ، بذريعة إنشاء منطقة عازلة بين الأراضي السورية وهضبة الجولان المحتلة ويساندها سلاح الجو للمحتل بشن غارات على مناطق متفرقة في سوريا. 
العملية هي المرة الأولى منذ 50 عاماً التي تعبر فيها القوات الإسرائيلية السياج الحدودي السوري، محتلة أراضي سورية جديدة، بعد اتفاقيات وقف إطلاق النار في 31 أيار (مايو) 1974 في أعقاب حرب أكتوبر 1973.
فبعد سقوط بشار الأسد وهروبه خلال معركة دمشق  في فجر يوم الأحد 8 ديسمبر 2024، لم تمر سِوى ساعات قليلة حتى استغل المحتل الاسرائيلى الفوضى والفراغ الأمني، نتيجة الأحداث ووصول سلطة جديدة للحكم في سوريا، وانسحاب قوات النظام المخلوع من المناطق الحدودية. فبدأ بحملة قصف جوي مكثَّف وعنيف على مخازن أسلحة النظام السوري السابق، بالتزامن مع حملة اجتياح برِّي للمنطقة العازلة التي أُنشئت بموجب اتفاقية فك الإشتباك بين سوريا وإسرائيل المبرمة في يوم 31 أيار (مايو) 1974، واحتلال مناطق من ريف القنيطرة وجبل الشيخ وعِدَّة مناطق أخرى مخترقاً بذلك كل القوانين الدولية وفي انتهاك واضح للسيادة السورية. وفى التاسع من نفس الشهر حددت مليشيا الاحتلال أهدافاً عسكريةً للجيش، والتي تضمنت الإستيلاء الكامل على المنطقة العازلة والمواقع القريبة، وإقامة منطقة أمنية تمتد إلى ما وراء المنطقة العازلة الخالية من الأسلحة الثقيلة، ومنع تهريب السلاح الإيرانى إلى لبنان عبر سوريا.
أما على الصعيد السياسي فقد أدى الأداء الداخلي للنظام السوري خلال الأعوام الماضية إلى مزيد من إضعاف مؤسسات الدولة. فاعتماد النظام على شبكات ولاء مرتبطة بالعائلة الحاكمة وأجهزة الأمن أدى إلى تآكل الثقة بين المواطن والدولة، وإيجاد بيئة واسعة من الفساد والمحسوبية. وتسببت السياسات الاقتصادية والعقوبات الدولية في انهيار سعر العملة وتدهور مستويات المعيشة، حتى في مناطق سيطرة النظام نفسها، مما جعل سوريا واحدة من أكثر الدول فقراً في العالم. كما أدى استمرار القبضة الأمنية ومنع المجال العام من استعادة عافيته إلى تجميد أي فرص لبعث حياة سياسية جديدة أو بناء مناخ يسمح بالتصالح الوطني أو التطوير المؤسسي.
في ظل هذا المشهد تبدو آفاق الحل السياسي في سوريا ضبابية. فالتسوية تتطلب توافقاً بين روسيا والولايات المتحدة وإيران وتركيا، وهو أمر غير متاح حالياً في ظل صراع المصالح وتعارض الحسابات الاستراتيجية لكل طرف. كما أن النظام السوري لا يظهر استعداداً فعلياً للانخراط في عملية انتقال سياسي أو إصلاحات جوهرية، بل يميل إلى تثبيت الوضع القائم بقدر المستطاع، مستنداً إلى الدعم الإيراني والروسي. ومع ذلك تستمر الدول العربية في محاولة إعادة دمج سوريا داخل النظام الإقليمي من بوابة العودة التدريجية التي قد تفتح نافذة محدودة لخفض مستوى التوتر، لكنها لا تقدم حلاً جذرياً للنزاع أو معالجة أسباب الانفجار الأول.
فـــــــــــ ما تشهده سوريا الآن هو نتيجة تراكم قرارات سياسية وأمنية خاطئة على مدى سنوات، بدءً من طريقة تعامل النظام مع الاحتجاجات، مروراً بتفكك مؤسسات الدولة، ووصولاً إلى إرتهان القرار الوطني لتحالفات خارجية. ومع استمرار الضربات الإسرائيلية، والتنافس الروسي–الإيراني غير المعلن، والصراع التركي–الكردي المفتوح، وتواجد القوات الأمريكية، ونشاط داعش المتجدد، فإن سوريا تبقى ساحة صراع مفتوح لا يزال بعيداً عن الوصول إلى استقرار فعلي. وفي الوقت الذي تعيد فيه القوى الإقليمية والدولية رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، تبدو سوريا رهينة لهذه الحسابات المعقدة، فيما يبقى الشعب السوري هو الطرف الذي يتحمل العبء الأكبر من هذا المشهد المضطرب، بعد أن فقد وطنه استقراره، ومؤسساته فاعليتها، وخارطته السياسية والعسكرية انسجامها.

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.

test

ARAB OPEN UNIVERSITY
Advertisment
The subscriber's email address.