تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
M

قمة الدوحة بين الخطاب والواقع ... مصر بين الصبر الإستراتيجى والمواجهة


بقلم الأستاذ الدكتور / هشام فخر الدين 
لم تكن مصر يوماً مجرد دولة عابرة في معادلة القوة بالشرق الأوسط، بل كانت وما زالت رمانة الميزان التي تُعيد صياغة التوازنات متى اهتزّت. وحين يُذكر اسم الجيش المصري، ترتعد الحسابات قبل أن تُرتجف البنادق، إذ يدرك العدو قبل الصديق أن هذه المؤسسة ليست مجرد قوة تقليدية، بل ذراع استراتيجية تمتد من البر إلى البحر إلى السماء، تحمل معها تاريخاً طويلاً من الانتصارات، وإرثاً قومياً يجعل التفكير في استفزازها مغامرة مكلفة. إسرائيل، رغم ما تمتلكه من تفوّق تكنولوجي ودعم خارجي، تقف دائماً أمام سؤال واحد كلما خططت لمغامرة: كيف يمكن تجاوز مصر دون أن تتحوّل المعركة إلى كارثة؟
فقد شهدت العاصمة القطرية الدوحة انعقاد القمة العربية الإسلامية الأخيرة في ظل أجواء إقليمية ودولية مشحونة، حيث تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية على الشعب الفلسطيني، وتتفاقم التوترات في المنطقة مع تصاعد الحديث عن ضغوط تمارس على مصر لتقبل بمخطط تهجير الفلسطينيين إلى سيناء. جاءت القمة في وقت يتطلع فيه الشارع العربي إلى موقف جماعي قوي يضع حدًّا للانتهاكات الإسرائيلية ويعيد صياغة موازين القوى في المنطقة. غير أن النتائج التي خرجت بها القمة أثارت جدلاً واسعًا بين المواطنين العرب، إذ اعتبرها كثيرون دون المستوى المطلوب قياساً بحجم التحديات، الأمر الذي ولّد شعوراً عاماً بالإحباط.
فقد انعقدت القمة في سياق تتداخل فيه عناصر الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي مع تحولات أوسع على الصعيد الدولي. فالاحتلال الإسرائيلي يواصل عمليات القتل والتدمير في غزة والضفة الغربية، في وقت يتعاظم فيه الدعم الغربي له سياسياً وعسكرياً. وفي المقابل تتعرض دول عربية مركزية مثل مصر والأردن لضغوط هائلة من الولايات المتحدة وحلفائها بهدف قبول مشاريع تسوية قسرية، تتضمن ترتيبات أمنية وجغرافية تمس جوهر الأمن القومي العربي.
حيث أنها جاءت لتشكل منصة يُفترض أن تعبر عن الإرادة الجماعية للأمة العربية والإسلامية، وأن تقدم استراتيجية موحدة لمواجهة ما يوصف بأنه أخطر تحدٍ للأمن العربي منذ عقود. والأمر الذى زاد من إحباط المواطن العربى حينما أصدرت القمة بياناً ختامياً لم يختلف عن عادته، حيث تضمن إدانة واسعة لجرائم الاحتلال الإسرائيلي، والدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة، وتقديم المساعدات الإنسانية العاجلة. كما تضمن البيان مطالبات بضرورة تحرك مجلس الأمن لفرض عقوبات على إسرائيل، ودعوة الدول الإسلامية إلى استخدام أوراق الضغط الاقتصادية والسياسية لوقف العدوان.
غير أن هذه المخرجات وإن بدت قوية على مستوى الخطاب، فإنها لم تتضمن آليات تنفيذية واضحة. فلم يُتخذ قرار بقطع العلاقات مع إسرائيل أو تجميد اتفاقيات التطبيع، كما لم يتم الاتفاق على خطوات اقتصادية جماعية مثل وقف صادرات الطاقة أو تجميد الأرصدة. أو تحالف عسكرى والذى رفضته كل من قطر والإمارات بشكل صريح، وبالتالي ظل البيان أقرب إلى موقف سياسي توافقي منه إلى خطة عمل عملية.
فالمواطن العربي الذي تابع القمة خرج بانطباع مزدوج ، فمن جهة شعر بارتياح نسبي لأن صوتًا عربياً وإسلامياً موحداً حاول التعبير عن رفض جرائم الاحتلال. ومن جهة أخرى فقد خيم عليه شعور بالإحباط نتيجة غياب خطوات عملية تعكس قوة الإرادة السياسية العربية. حيث أنها لم تُترجم غضب الشارع العربي إلى قرارات حاسمة، بل اكتفت بلغة دبلوماسية معتادة لا تغيّر ميزان القوى على الأرض ولن تقدم أو تؤخر.
ويعكس هذا الإحباط الشعبي فجوة متنامية بين الخطاب الرسمي والانتظارات الشعبية، حيث أن البيانات وحدها لا توقف الدم الفلسطيني ولا تواجه مشروع الاحتلال الإسرائيلي – الأمريكي لإعادة تشكيل المنطقة. فمن الناحية السياسية كشفت القمة عن استمرار تباين المصالح بين الدول العربية والإسلامية. فبعض الدول فضلت الاكتفاء بإدانة لفظية لتجنب مواجهة مباشرة مع الغرب، فيما طالبت دول أخرى بقرارات أكثر جرأة. هذا التباين حدّ من قدرة القمة على إنتاج موقف موحد ملزم.
كما أظهرت القمة حجم الضغوط الدولية على الدول العربية الكبرى وخاصة مصر، التي تجد نفسها في موقع حساس بين التزامها التاريخي تجاه القضية الفلسطينية، وحرصها على حماية أمنها القومي في سيناء. فالمخطط الإسرائيلي–الأمريكي يهدف إلى دفع مصر إلى قبول تهجير الفلسطينيين إلى أراضيها، وهو ما تعتبره القاهرة خطاً أحمر يمس سيادتها ووحدة أراضيها.
ويظل الحديث من المنظور العسكري عن حرب محتملة بين مصر والاحتلال الإسرائيلي قائماً في سياق الضغوط المتصاعدة. ومصر لا تسعى إلى مواجهة مباشرة، لكنها تمتلك قدرات عسكرية كبيرة تجعلها قادرة على ردع أي محاولة لفرض التهجير بالقوة.
القوات المسلحة المصرية تصنف ضمن أقوى جيوش المنطقة، وتمتلك ترسانة من الأسلحة المتطورة، بما في ذلك الطائرات المقاتلة الحديثة وأنظمة الدفاع الجوي والصواريخ الباليستية. فالجيش المصري خاض حروباً طويلة مع إسرائيل، ويمتلك خبرة ميدانية ومعرفة دقيقة بطبيعة الخصم. وبالتالي، فإن أي محاولة إسرائيلية لفرض واقع جديد في سيناء ستقود إلى مواجهة مفتوحة قد تغيّر موازين القوى في المنطقة.
وعبر استمرار الضغوط الدولية على المحتل الإسرائيلى لضبط سلوكها مؤقتاً، مع الاكتفاء ببيانات الإدانة العربية والإسلامية. مما قد يُبقي الوضع على ما هو عليه دون انفجار عسكري. وعلى الجانب الآخر نجد محاولة مستمرة من المحتل لفرض ضغوط متزايدة على مصر والأردن، مع مواصلة عدوانه على الفلسطينيين، مما قد يؤدي إلى مواجهات أمنية محدودة أو توترات على الحدود، دون أن تصل إلى حرب شاملة.
وفي حال حاول المحتل فرض التهجير بالقوة بالأمر الواقع ، فإن مصر ستكون مضطرة للدفاع عن أراضيها، وهو ما قد يقود إلى حرب إقليمية واسعة، خاصة إذا تدخلت أطراف أخرى. فالقمة العربية الإسلامية في الدوحة مثلت لحظة مهمة على مستوى الخطاب الرمزي، لكنها لم ترتقِ إلى مستوى التحديات السياسية والعسكرية التي تواجه المنطقة. ولم يُترجم البيان الختامي إلى إجراءات عملية ملموسة، ما ولّد إحباطًا شعبياً متزايداً.
 ويتوقف مستقبل المنطقة على قدرة الدول العربية والإسلامية على تحويل بيانات الإدانة إلى أدوات ضغط حقيقية، والتخلى عن سياسات التطبيع مع العدو والتخلى عن إعلاء الخاص على العام، وعلى استعدادها لتحمل كُلفة المواجهة السياسية والاقتصادية وربما العسكرية مع الاحتلال الإسرائيلي. أما بقاء المواقف عند حدود الخطاب فلن يؤدي إلا إلى مزيد من الإحباط الشعبي وتزايد احتمالات الانفجار.
  وفي نهاية المطاف تبقى مصر رقماً صعباً في معادلة الردع الإقليمي، قوةً لا تُقاس فقط بعدد الجنود ولا بمدى الصواريخ، بل بعقيدة وطنية متجذرة تعتبر الدفاع عن الأرض والكرامة واجباً مقدساً. وقد تراهن إسرائيل على دعم حلفائها، لكنها تدرك أن أي مساس بالسيادة المصرية أو محاولة لفرض واقع جديد على حدودها الشرقية سيشعل مواجهة تتجاوز الحسابات العسكرية إلى معركة وجود. ولهذا يظل الجيش المصري سيفاً مشرعاً يفرض على العدو التفكير ألف مرة قبل أن يغامر بخطوة واحدة، مؤكداً أن سيناء ليست مجرد أرض، بل خطاً أحمر تحرسه إرادة أمة وجيش يعرف كيف يحوّل التهديد إلى هزيمة.

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.

test

ARAB OPEN UNIVERSITY
Advertisment
The subscriber's email address.