مذكرة سياسية | لماذا يتجه أردوغان إلى طهران؟
سعدالدين الحسني - محلل سياسي
إنّ التحولات المتسارعة في غرب آسيا، ولا سيما في الجغرافيا السورية، أدخلت الحسابات الأمنية التركية مرحلة جديدة ومكلفة. فأنقرة، التي تحركت طوال العقد الماضي على أساس تحويل سوريا إلى عمقٍ استراتيجي لها، تجد نفسها اليوم أمام واقع معاكس تماماً؛ واقع جعل من دمشق نقطة ضعف في الأمن القومي التركي بدل أن تكون فرصة. وفي هذا السياق، لا يمكن فهم الأنباء المتداولة حول الزيارة المرتقبة لرجب طيب أردوغان إلى طهران بوصفها زيارة دبلوماسية عادية، بل باعتبارها مؤشراً واضحاً على مأزق استراتيجي تعيشه السياسة الإقليمية التركية.
بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها هاكان فيدان إلى إيران، بات واضحاً أنّ ملف سوريا خرج عملياً من دائرة السيطرة التركية. فالحضور العلني والمتزايد للكيان الإسرائيلي في جنوب سوريا، واستمرار القصف الواسع للبنى التحتية السورية، وتجاهل تل أبيب لأي حدود أو ضوابط أمنية، كلها عوامل كشفت خطأ الرهانات التركية. فقد اعتقدت أنقرة أنّ إضعاف محور المقاومة، وإقصاء الدور الإيراني عن سوريا، سيفتح لها باب الدعم الأميركي للحكم الجديد في دمشق، وفي الوقت نفسه سيكبح جماح التمدد الإسرائيلي؛ لكن الوقائع الميدانية أثبتت عكس ذلك تماماً.
اليوم، تصل تركيا إلى خلاصة مفادها أنّ الجهة الوحيدة القادرة، نظرياً وعملياً، على إرساء معادلة ردع حقيقية بوجه إسرائيل هي إيران. فالتجارب المتراكمة خلال السنوات الماضية، من الحرب الداخلية السورية وصولاً إلى المواجهات الإقليمية الأخيرة، تؤكد أنّ أي ترتيب أمني مستقر في بلاد الشام لا يمكن أن يرى النور من دون حضور فاعل لطهران. ومن هنا، تبدو أنقرة مضطرة للعودة إلى طاولة التنسيق مع إيران وطلب شراكتها للخروج من الأزمة الراهنة؛ إذ إنّ غياب هذا الدور يعني بقاء سوريا ساحة مفتوحة، واستمرار التهديدات المباشرة للأمن التركي.
غير أنّ هذا التحول لا ينبغي أن يُقرأ من الجانب الإيراني على أنّه فرصة دبلوماسية سهلة أو مضمونة. فذاكرة «اتفاق أستانة» ما زالت حاضرة بكل كلفها السياسية والأمنية. ذلك الاتفاق، الذي أُنجز تحت غطاء دبلوماسي، منح الجماعات المسلحة فرصة لإعادة تنظيم صفوفها، وألحق أضراراً ملموسة بجزء من إنجازات محور المقاومة في الميدان. واليوم، يبرز خطر تكرار السيناريو ذاته: تقديم تنازلات فورية مقابل وعود مؤجلة وغير مضمونة التنفيذ.
إذا كانت أنقرة تسعى مجدداً إلى الاستفادة من الدور الإيراني في إدارة الأزمة السورية ومواجهة المشاريع الإسرائيلية، فإنّ هذا المسار يجب أن يقوم على ضمانات أمنية حقيقية، ميدانية وقابلة للتحقق. كما أنّ تعويض الأضرار التي لحقت بمحور المقاومة خلال السنوات الأخيرة ينبغي أن يكون جزءاً أساسياً من أي مبادرة جديدة، لا مجرد تعهدات عامة أو شعارات سياسية. فمواجهة الكيان الإسرائيلي تمثل أولوية لا بديل عنها في معادلة الأمن الإقليمي، لكن هذا الهدف لا يتحقق إلا من خلال تحالفات واقعية، قائمة على المصالح المتبادلة والوقائع الميدانية، لا على حسن النيات وحده.
إنّ الزيارة المحتملة لأردوغان إلى طهران تعكس، قبل أي شيء آخر، فشل مسار سياسي سابق وبداية البحث عن مخرج جديد من الأزمة. وبالنسبة لإيران، فإنّ هذا الظرف يشكل في آنٍ واحد فرصة وتحدياً: فرصة لإعادة تثبيت موقعها الإقليمي، وتحدياً حقيقياً إذا ما تكررت أخطاء التفاؤل غير المحسوب. وإذا كان لا بد من الحديث عن «أستانة 2»، فيجب أن تكون، قبل كل شيء، تسوية واضحة مع خسائر «أستانة 1»؛ أي معادلة تقوم على تبادل الامتيازات بشكل فوري ونقدي، لا على وعود مؤجلة إلى مستقبل غير مضمون
Recent comments