تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
d

بين الحرب والسلام البارد: قراءة نفسية في تحولات السياسة الإقليمية للشرق الأوسط

بقلم الأستاذ الدكتور/ هشام فخر الدين
لا شك عزيزى القارئ أن الشرق الأوسط اليوم يشهد حالة فريدة من التوازن العصبي بين الاندفاع نحو الحرب والخوف من السقوط فيها. فالدول الإقليمية تبدو وكأنها تعيش اضطراباً جمعياً يراوح بين الرغبة في القوة والرغبة في الأمان، بين نزعة السيطرة ونزعة البقاء. هذه الحالة النفسية الجماعية ليست وليدة اللحظة، بل نتاج تراكم طويل من الصدمات السياسية، والحروب، والانقسامات الداخلية، جعلت من المنطقة بأسرها ساحة صراع بين اللاشعور السياسي والرغبة في الاستقرار. فــــــــــــ فهم التحولات الراهنة لا يكتمل إلا إذا نظرنا إليها من زاوية التحليل النفسي السياسي، حيث تُقرأ التحالفات، والمواقف، والقرارات بوصفها استجابات نفسية جماعية أكثر منها معادلات عقلانية باردة.
فـــــــــــــــــــ بين الحرب والسلام البارد تتشكل  ملامح السياسة الإقليمية في الشرق الأوسط، على نحوٍ يتجاوز التفسير السياسي التقليدي، ليغوص في أعماق النفس الجماعية للشعوب والأنظمة الحاكمة. فهذه المنطقة التي تعيش منذ قرن على إيقاع التوتر والاضطراب، أصبحت ساحةً لتمثلات نفسية معقدة تتراوح بين الخوف والهيمنة، وبين القلق الوجودي والرغبة في السيطرة. ويمكن الجزم بأن الشرق الأوسط اليوم يعيش حالة اللا حرب ولا سلم. إلا أنها ليست فقط نتيجة لتوازنات القوى، وإنما هي انعكاس لحالة نفسية ممتدة من عدم الثقة، والذاكرة المثقلة بالصراعات، والرغبة المكبوتة في تحقيق الأمن عبر أدوات القوة لا الحوار.
ويكشف التحليل النفسي للواقع الإقليمي أن العلاقات بين الدول لم تعد مجرد تفاعلات سياسية عقلانية، وإنما تحولت إلى مسرحٍ تتصارع فيه دوافع دفينة من النرجسية السياسية، والشعور الدائم بالتهديد، والبحث عن الاعتراف. فالدول مثل الأفراد تمتلك الأنا المتضخمة، والتى تحاول تأكيد ذاتها في مواجهة الآخر. والذي يُنظر إليه دائماً كمصدر خطر أو تهديد للهوية. وتبرز هذه الملامح بوضوح في سلوك بعض القوى الإقليمية التي تبني سياساتها الخارجية على فكرة الإستثناء والتفوق، سواء عبر الخطاب الديني أو القومي أو حتى التكنولوجي والعسكري. فهذا النمط من التفكير يعكس في جوهره اضطراباً نرجسياً سياسياً يسعى إلى تبرير التوسع والهيمنة باسم الدفاع عن الذات أو نشر الاستقرار وهو فى حقيقة الأمر مجرم حرب.
وبالتالى نجد أن الشرق الأوسط يعيش سلاماً بارداً لا يُطفئ جذوة الخوف في النفوس. فالإتفاقات الدبلوماسية والتحالفات المؤقتة تُشبه في معناها آليات دفاع نفسي تُخفي خلفها رغبات مكبوتة في الإنتقام أو التفوق. ويمكن تفسير هذا السلوك من خلال مفهوم الإسقاط في التحليل النفسي، حيث تميل الأنظمة السياسية إلى إسقاط دواخلها المضطربة على الخارج، فتصور خصومها كمصدرٍ للشرّ والعدوانية، بينما تبرئ ذاتها من التورط في العنف أو الفشل. وهكذا يصبح العدو الخارجي وسيلةً لحفظ تماسك الداخل، فيُعاد إنتاج الصراع لا بوصفه خطراً يجب تجنبه، بل بوصفه ضرورة نفسية تبرر البقاء والسيطرة.
وتتشكل في هذا السياق التحالفات الإقليمية ليس فقط على أسس المصالح المادية، بل أيضاً وفق منطق العلاقة الإسقاطية. فكل محور يسعى إلى بناء صورة جماعية عن "نحن" في مواجهة "هم"، حيث يُعاد تعريف الهوية السياسية تبعاً للحاجة إلى الشعور بالقوة والإنتماء. وهذا ما يفسر هشاشة التحالفات وتقلبها السريع؛ إذ إن ما يجمع الأطراف ليس قناعة عقلانية دائمة، بل حالة وجدانية مؤقتة تقوم على الخوف المشترك من الآخر. ومن هنا يتحول الصراع إلى دائرة مغلقة تتغذى على نفسها، فلا الحرب تُحسم، ولا السلام يُبنى على ثقة حقيقية.
فـــــــــــــــــ السلام البارد في الشرق الأوسط هو سلام مُصاب بالوسواس. فكل طرف يعيش هاجس الغدر والخيانة، وكل مصافحة سياسية تُخفي خلفها توتراً مكتوماً. وهذا يعكس بنية نفسية مأزومة لم تتجاوز بعد صدمة التاريخ. فـــــــــــ  تراكم الخيبات والهزائم والإنقلابات جعل من اللاوعي الجمعي في المنطقة ميداناً للريبة والإحتراز. وحتى عندما تُعلن إتفاقيات التطبيع أو التهدئة، يظل اللاشعور السياسي مشحوناً بالشك. كأن الجميع يدرك أن الاستقرار ليس سوى هدنة مؤقتة داخل معركة طويلة. ومن ثم فـــــــــ إننا أمام عالمٍ من العلاقات المريضة، حيث يُمارس الجميع لعبة الدفاع والهجوم دون توقف، وحيث تُدار الدبلوماسية أحياناً بلغة اللاوعي الجماعي أكثر من لغة العقل.
وقد تبدو سياسات بعض الدول الكبرى في المنطقة أشبه بمحاولة لتعويض نقصٍ نفسي تاريخي. فالرغبة في استعادة المجد الإمبراطوري أو فرض الهيمنة الدينية، ليست سوى تمظهرات لنزعة قهرٍ قديمة، تحاول تعويض فقدان السيطرة أو الشعور بالعجز أمام قوى الغرب. وفي المقابل تعيش دول أخرى قلق الهوية، فهي تخشى الذوبان في الصراعات أو التهميش، فتحاول التمركز حول ذاتها، وتعويض ضعفها الداخلي بالمشاركة في تحالفات متناقضة. وهكذا تتحرك الأنظمة في دائرة من التوتر المستمر بين الرغبة في الاستقلال والخوف من العزلة، بين الحاجة إلى الحماية والرغبة في الهيمنة.
ولا يمكن فصل كل ذلك عن الجانب الجمعي للشعوب نفسها. فالجماهير العربية تعيش حالة إنكارٍ مستمرة، بين التمسك بالماضي وتمجيد القوة، وبين الشعور بالعجز والخيانة من القيادات. وهذا الانقسام النفسي العميق يولد بدوره ثقافة تبرر التناقض، وتقبل بالسلام البارد كأهون الشرين. فالمواطن العادي لم يعد يؤمن بالسلام، لكنه سئم الحرب، فاختار التعايش النفسي مع واقعٍ رمادي لا يمنح أملًا ولا يفرض مأساةً كاملة.
ومن ثم يكشف التحليل النفسي لهذا الواقع أن الشرق الأوسط يعاني من غياب التحليل الذاتي. فالدول والأفراد لم يخضعوا بعد لمساءلة داخلية حقيقية تمكنهم من مواجهة ذواتهم والتصالح مع الماضي. فلا تزال الصدمات القديمة تُعاد بصور جديدة: احتلال، تقسيم، تدخل خارجي، خيانة داخلية. وكلها تغذي إحساساً جمعياً بالضحية من جانب العدو الحقيقى والذى يعيق النمو والنضج السياسي. فبدل من أن يتحول الألم إلى وعي نقدي، يتحول إلى دائرة من التكرار القهري، تُعيد إنتاج الأزمات بذات الآليات القديمة.
لقد أصبح الشرق الأوسط مختبراً نفسياً لفهم كيف يمكن للذاكرة الجمعية أن تصوغ السياسة أكثر مما تفعل المصالح الواقعية. فكل أزمة جديدة تستدعي خيالات الخطر القديمة، وكل محاولة للتقارب تُستقبل بالريبة والاتهام. وحتى محاولات الإصلاح والانفتاح تواجه بعقلية دفاعية تفضل الثبات على المجهول. وهكذا يتحول السلام إلى معركة داخل النفس، قبل أن يكون اتفاقاً بين الدول بالرغم من قناعة الجميع أنه لا أمان للآخر مهما كان وأياً كان.
فالسلام البارد ليس مجرد حالة جيوسياسية، وإنما هو تشخيص نفسي لمجتمعٍ لم يتجاوز بعد مرحلة الصدمة. فالحرب هنا ليست دائماً بالسلاح، بل قد تكون حرباً نفسية ضد الخوف والقلق والذاكرة. وما لم يُجرِ الشرق الأوسط تحليلًا جماعياً لذاته، ويفهم جذور صراعاته في لا وعيه الجمعي ويدرك العدو الحقيقى الذى يحاول دوماً شق الصف بكل السبل أخطرها التطبيع أو الحرب، فستظل المنطقة أسيرة تكرار الصراع بأشكالٍ جديدة، تحاول فيها الأنظمة أن تبدو قوية بينما تخفي هشاشتها خلف خطاب الانتصار. فالتحول الحقيقي لن يبدأ بالإتفاقيات أو التحالفات، وإنما عندما يواجه الشرق الأوسط نفسه بشجاعة، ويحول تاريخه من جرحٍ مفتوح إلى وعيٍ ناضج قادر على صناعة سلامٍ داخلي يسبق السلام السياسي والذى لا يأتى إلا بالقوة العسكرية والاقتصادية والوحدة والتحالف والإتفاق حول مواجهة عدو واحد محدد ونبذ التطبيع والتحدث والتحرك من منطلق القوة.

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.

test

ARAB OPEN UNIVERSITY
Advertisment
The subscriber's email address.