مليشيا الإحتلال وإستراتيجية النفوذ والأمن الإقليمي
بقلم الأستاذ الدكتور / هشام فخر الدين
منذ إندلاع الأزمة السورية قبل أكثر من عقد، استغلت مليشيا الاحتلال الإسرائيلى، حالة الفوضى والإنهيار الجزئي للدولة السورية لتطبيق سياسة عسكرية واستخباراتية واسعة النطاق تقوم على القوة المطلقة وفرض الوقائع على الأرض، بعيداً عن أي اعتبارات سيادية أو إلتزامات دولية. حيث يسيطر الاحتلال الإسرائيلي على مرتفعات الجولان السورية منذ عام 1967، مع استمرار توسيع النفوذ العسكري في هذه المناطق الحساسة، التي تمثل مفتاح السيطرة على الجنوب السوري ومراقبة تحركات الجيش السوري وحلفائه. وقد أقامت إسرائيل قواعد عسكرية ونقاط مراقبة ومنشآت استخباراتية على طول هذه المرتفعات. بالإضافة إلى استخدام جبل الشيخ كموقع استراتيجي يتيح لها القدرة على إطلاق الضربات والتدخل مباشرة في عمق الأراضي السورية، وهو ما يعكس عقلية القوة المطلقة والبلطجة المستمرة التي يمارسها الاحتلال.
ويتجاوز الاحتلال الإسرائيلي مجرد السيطرة على الجولان وجبل الشيخ إلى مناطق أخرى في القنيطرة وريف دمشق والغوطة الجنوبية والسويداء، حيث تنفذ إسرائيل ضربات جوية متكررة تستهدف الجيش السوري وحلفاءه، بما في ذلك مخازن أسلحة، منصات صواريخ، ومنشآت عسكرية حيوية، بهدف تقويض القدرة الدفاعية السورية وتحجيم أي تهديد للسيطرة الإسرائيلية على الجنوب. فقد تحوّل جنوب سوريا إلى ساحة مفتوحة للعمليات الإسرائيلية، التي تجاوزت كافة القوانين والمواثيق الدولية فى انتهاك سيادة الدول واحتلال الأراضى بغير حق ممارسة أسلوب البلطجة برعاية وحماية غربية وأمريكية . بمزاعم الدفاع الوقائي والتى تجاوزتها إلى مشروع متكامل لإحتلال الدولة السورية وتحقيق التفوق العسكري والاستراتيجي على الحدود الشمالية.
حيث تستند هذه السياسة إلى مبدأ السيطرة الميدانية المستمرة من خلال الضربات الجوية المركزة التي استهدفت مواقع عسكرية وحيوية للجيش السوري وحلفائه، بما في ذلك مخازن صواريخ ومنصات إطلاق ومستودعات أسلحة ومنشآت إنتاج صواريخ دقيقة ومراكز قيادة إستخباراتية. وهو ما يعكس استراتيجية تهدف إلى تحييد أي تهديد محتمل من إيران والداعمين لها داخل الأراضي السورية. بالإضافة إلى سعى المحتل الصهيونى لإضعاف قدرة الدولة السورية على إعادة ترتيب قواتها وحماية أراضيها.
كما تُظهر هذه العمليات أن هجمات مليشيا الاحتلال الإسرائيلية ليست أعمالًا عشوائية أو تكتيكية قصيرة المدى، وإنما هى جزء من خطة استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى فرض احتلال بهيمنة إقليمية مستدامة، وتأكيد الزعم الكاذب بالتفوق العسكري المزعوم في أي مواجهة محتملة كنوع من الحرب النفسية للشعوب العربية، خاصة بعد سيطرة الصهاينة على جبل الشيخ، عبر إنشاء نقاط مراقبة ومراكز استخباراتية ثابتة وبنية تحتية لوجستية على طول الحدود لضمان السيطرة والمعلومة الميدانية المستمرة لتأكيد استدامة الاحتلال وهذا حُلم لن يتحقق للمحتل.
وعلى المستوى السياسي والعسكري المحلي، تعمل مليشيا الاحتلال الإسرائيلى على إقامة تحالفات محددة مع فصائل صغيرة وجماعات درزية كمليشيات تابعة لها في مناطق القنيطرة والسويداء، مقدمة لها دعماً استخباراتياً وعسكرياً محدوداً، بهدف إيجاد أدوات نفوذ محلية يمكن التحكم فيها, وهو نهج يعكس عقلية "الوكلاء المحليين" التي استخدمتها مليشيا الاحتلال سابقًا في جنوب لبنان، والتى تقوم على استغلال الإنقسامات الطائفية والسياسية لتحقيق مصالحها.
فـــــــ هذا الأسلوب يتيح للمحتل الإسرائيلى فرض سيطرته على مسارات التحركات المعادية دون الحاجة إلى احتلال شامل، مع الحفاظ على هامش من الشرعية المحلية عبر استخدام وكلاء وتنظيمات متعاونة، وهو ما يظهر عقلية السُعار الصهيونى بمنطق القوة المطلقة التي تعتمد على الفوضى لتقوية التغلغل العسكري والسياسي.
ويعتبر الإحتلال الإسرائيلي للأراضي السورية خرقاً صريحاً للقانون الدولي، ولكافة المواثيق والمعاهدات الدولية ولإعلان حقوق الإنسان. فى ظل تفتت وتفرق القوى العربية وتطبيع البعض منها مع جيش الاحتلال، والخروج عن مسار الوحدة والتحالف العسكرى والسياسى والاقتصادى. بل أكدت الشواهد مساندة البعض منها للمحتل وإعانته على الإبادة فى غزة واحتلال الأراضى العربية، مما يمثل جعل هذا البعض جنجراً فى قلب الأمة العربية، والذى مازال يتخفى فى دور المساندة والشجب والإدانة.
فقام المحتل بإستهداف منشآت الدولة السورية بخرق سيادتها بإنتهاكٍ صارخٍ لمبادئ القانون الدولي، كما أن استمرار هذه العمليات العدائية جعلت المحتل لا يُعير إهتماماً بالتحديات الإستراتيجية طويلة المدى معتمداً على الدعم الغربى والأمريكى له، فيتجاهل بكل تهكم وسخرية واستخفاف أى مواجهة مع القوى الإقليمية، خاصة إيران والحوثين، وأية مقاومة محلية قد تكون أكثر تنظيماً وتكلفة على المستوى العسكري والسياسي، وهو ما يشير إلى أن نهج سياسة القوة والبلطجة والاحتلال التي تتبعها مليشيا الإحتلال الإسرائيلى بزعمهم بأنها قد تحقق التفوق التكتيكي على المدى القصير، إلا أنها تحمل مخاطر قد تؤدى إلى محو مليشيا الإحتلال على المدى ليس بالطويل، وذلك عبر إشعال نزاع شامل قد يتجاوز قدراتها على السيطرة عليه.
وتتبع مليشيا الاحتلال الصهيونى في العراق النهج العدواني نفسه، تحت ذريعة مواجهة النفوذ الإيراني، حيث تستهدف مواقع عسكرية للفصائل الإيرانية وقياداتها، متجاوزة سيادة الدولة العراقية، مستغلة الانقسامات الطائفية والسياسية لتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى. وبالتحليل السياسي– العسكري نجد أن الاحتلال الإسرائيلي لا يكتفي بالوجود التقليدي على الجبهة الشمالية في سوريا، بل يسعى إلى توسيع نطاق الهيمنة الإقليمية لتشمل العراق، ضمن مشروع شامل لفرض سياسته ونهجه الإستعمارى لفرض السيطرة بالقوة والضغط الإستراتيجي، مستغلاً ضعف غالبية الدول العربية وإنشغالها بأزماتها الداخلية، ودعم الفرقة بينهم وتطبيع البعض منها تطبيعاً كاملاً مع جيش الاحتلال ومساندته ضد البعض الآخر، مما يمثل وصمة عار فى جبين الأمة العربية على كافة الأصعدة.
وتعكس سياسة المحتل في كل من سوريا والعراق عقلية مريضة بالسُعاروالقتل والإبادة، وبنشوة القوة المطلقة المزعومة، والتي تعتمد على الضربات الجوية الدقيقة، الهيمنة الإستخباراتية، دعم وكلاء محليين، واستغلال الانقسامات الطائفية والسياسية، بهدف منع أي دولة عربية من استعادة قدراتها العسكرية أو ممارسة سيادتها بشكل كامل. وبالرغم من هذه السياسات الاستعمارية إلا أن الواقع ينذر بتصعيد شامل، مع ظهور مقاومات شعبية منظمة، وزيادة الكلفة البشرية والسياسية، مما قد يحول المشروع الاستعمارى الصهيونى إلى مجرد وهم وحلم لن يتحقق مهما حدث وأحداث التاريخ خير شاهد.
ويعكس الواقع أن الاحتلال الإسرائيلي للمرتفعات السورية وجبل الشيخ والمناطق الجنوبية، يشكل انتهاكاً مستمراً للسيادة السورية وتهديداً مباشراً للأمن الإقليمي، وأن العدوانية الإسرائيلية مشروع لإعادة رسم الواقع السياسي والأمني لصالح مليشيا الاحتلال الإسرائيلى، بما يضمن استمرار هيمنتها العسكرية والاستخباراتية، وإيجاد حالة توتر وفوضى مستمرة في الدول العربية، مع تثبيت النفوذ الاستراتيجي على الأرض بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. واستغلال الفوضى لتحقيق مصالحه، دون أي اعتبار للقانون الدولي أو حقوق الشعوب.
مما يستدعي قراءة دقيقة لفهم ديناميات الأمن والسياسة في الشرق الأوسط، وتقدير المخاطر المستقبلية التي قد تنشأ نتيجة استمرار هذه السياسات الاستعمارية العدوانية، والتي تهدف إلى فرض الهيمنة بالقوة والبلطجة العسكرية والاستخباراتية، وتحويل المنطقة إلى فضاء خاضع للنفوذ الاستعمارى الإسرائيلي على حساب الحقوق الوطنية والدولية.
وتتبع مليشيا الاحتلال الإسرائيلى إستراتيجية مشابهة فى العراق، والتى تعتمد على التدخل الإستباقي للحد من النفوذ الإيراني، حيث تشير تقارير استخباراتية إلى استهداف مواقع عسكرية تابعة لإيران، وقيادات حاسمة فيها، دون أي اعتراف بسيادة الدولة العراقية أو احترامها، وهو ما يعكس استمرار عقلية فرض السيطرة بالقوة واعتبار العراق ساحة نفوذ مفتوحة للسياسات الإسرائيلية. كما أن هذه العمليات تستغل الإنقسامات الطائفية والسياسية في العراق لتحقيق أهداف إسرائيلية استراتيجية، وهي نهج يتجاوز فكرة الدفاع إلى ممارسة ضغط مباشر على الدولة والمجتمع، بما يتيح لإسرائيل التفوق الاستراتيجي وتقويض قدرة الفاعلين المحليين والإقليميين على تهديد مصالحها.
فـــــــــــــ السياسة الإسرائيلية في سوريا والعراق هي خطة استعمارية استراتيجية متكاملة، تهدف إلى إعادة هندسة الواقع الإقليمي لصالح المحتل الإسرائيلى على حساب سيادة الدول العربية واستقرارها الداخلي، وتهدف إلى إبقاء سوريا ضعيفة. ومنع العراق من استعادة القدرة الكاملة على إدارة أمنه الداخلي، مع استهداف أي فاعل يمكن أن يشكل تهديداً مباشراً لمصالحها، وهو ما يعكس عقلية القوة والبلطجة العسكرية التي تعتمد على فرض الهيمنة بالقوة دون احترام للقوانين الدولية أو المبادئ الإنسانية.
Recent comments