بقلم الباحث الإسلامي الأستاذ لقمان الكردي لا إصلاح بلا عدالة… فالحقوق المتساوية أساس بناء الأوطان.
أما بعد،
فقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلاً عظيماً في المسؤولية الجماعية وحفظ مصالح الناس، فقال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة…» إلى آخر الحديث الشريف. وهذا الحديث ليس مجرد قصة تُروى، بل هو منهج حياة يحدد مسؤولية القادة وأهل القرار تجاه من ائتمنوهم على شؤونهم.
فالقائم على حدود الله ليس مجرد متفرج على أحوال الناس، بل هو المسؤول عن صيانة حقوقهم وحفظ كرامتهم وتأمين أسباب العيش الكريم لهم. وإذا قصّر في ذلك، أو انشغل بمصالحه الخاصة، أو ترك رعيته تواجه الظلم والتهميش وحدها، فإنه يكون قد تخلى عن الأمانة التي حملها.
وإذا نظرنا إلى واقعنا اليوم نجد أن الانتماءات الطائفية والحزبية أصبحت في كثير من الأحيان أقوى من الانتماء إلى الوطن والدستور والقانون. فأصبح المواطن يلجأ إلى الزعيم والطائفة قبل أن يلجأ إلى المؤسسات التي يفترض أنها تكفل حقوق جميع المواطنين على قدم المساواة. وهنا يبدأ الخلل، وتبدأ الموازين بالاختلال، وتصبح الحقوق مرتبطة بموازين القوة والنفوذ أكثر من ارتباطها بمبدأ العدالة والمواطنة.
وليس من العدل أن يشعر أي مكوّن من مكونات الوطن بأنه أقل حضوراً أو أقل قدرة على الوصول إلى حقوقه من غيره. كما ليس من الطائفية أن يطالب الناس بحقوقهم المشروعة، أو أن يطالبوا بتمثيل عادل وإنصاف حقيقي. فالطائفية المذمومة هي ظلم الآخرين أو الانتقاص من حقوقهم، أما المطالبة بالعدل والمساواة ورفع التهميش فهي حق مشروع لكل إنسان ولكل جماعة.
ومن المؤسف أن كثيراً من القيادات في عالمنا العربي اعتادت أن تتذكر أبناءها عند المواسم الانتخابية، ثم تنساهم عند توزيع المسؤوليات والمكتسبات والفرص. فتتحول الجماهير إلى مجرد أرقام في صناديق الاقتراع، بينما تبقى المصالح والمناصب والثروات حكراً على فئة محدودة تدور في فلك السلطة والنفوذ.
إن الناس لا يريدون امتيازات خاصة، ولا يطلبون ظلماً لأحد، وإنما يريدون كرامة مصونة، وعدالة متساوية، وفرصاً متكافئة، وشعوراً بأن هناك من يحمل همومهم ويدافع عن مصالحهم بصدق وإخلاص. فالمسؤول الحقيقي هو الذي يرى في منصبه تكليفاً لا تشريفاً، وخدمة للناس لا وسيلة للتسلط عليهم.
لقد علمنا الإسلام معاني الإيثار والتراحم والتكافل، لكن الإيثار لا يعني التنازل عن الحقوق، ولا يعني القبول بالظلم أو التهميش. فالعدل أساس العمران، وكرامة الإنسان حق لا منّة من أحد، والمطالبة بالحق ليست عيباً، وإنما العيب أن يضيع الحق ثم يُطلب من صاحبه أن يصمت.
ويبقى يقين المؤمن أن الله سبحانه وتعالى هو خير حافظ وخير معين، وأن الأرزاق والكرامة والعزة بيده وحده، ولكن ذلك لا يمنع من قول كلمة الحق، والمطالبة بالعدل، والسعي لإصلاح الواقع بالحكمة والموعظة الحسنة، بعيداً عن الظلم والتعصب والكراهية.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
والله ولي ذلك والقادر عليه.
Recent comments