ما بعد إبستين .... تصدّع الثقة في بنية النظام العالمي
بقلم الأستاذ الدكتور / هشام فخر الدين
أعادت فضائح جيفري إبستين تشكيل النقاش العام حول العلاقة بين السلطة والنفوذ والأخلاق، ليس فقط بوصفها قضية جنائية ذات أبعاد صادمة، بل باعتبارها حدثاً كاشفًا للبنية النفسية والاجتماعية والسياسية للنظام العالمي المعاصر. فقد تجاوز أثرها حدود الفضيحة الفردية ليغدو ظاهرة تحليلية تفسّر كيفية تفاعل الرأي العام مع إزاحة الستار عن شبكات النفوذ المغلقة، وكيف يؤثر ذلك في إدراك الشرعية السياسية والثقة المؤسسية على المستويين الوطني والدولي. فمن هذا المنظور يمكن قراءة القضية بوصفها صدمة إدراكية جماعية، أحدثت تحوّلاً في تصور الجماهير لطبيعة العلاقات بين النخب المالية والسياسية، وأسهمت في إعادة صياغة العلاقة النفسية بين المواطن والنظام العالمي.
حيث ولّدت الفضيحة على المستوى النفسي الجمعي ما يمكن وصفه بحالة الإنكشاف الرمزي للسلطة، وهي حالة يشعر فيها الأفراد بأن البنى التي يُفترض أن تحميهم قد انكشفت هشاشتها. ولا يرتبط هذا الشعور فقط بصدمة الجريمة ذاتها، بل بإدراك أن الفاعل كان محاطاً بشبكة علاقات واسعة مع شخصيات نافذة. وفقاً لنظريات الإدراك الاجتماعي، فإن اكتشاف مثل هذه الروابط يخلق تنافراً معرفيًا حاداً بين الصورة المثالية للنخب بوصفها حامية للنظام، وصورتها الواقعية بوصفها جزءً من شبكة امتيازات مغلقة. مما أدى إلى حالة من التوتر النفسي الذى يدفع الأفراد إما إلى إعادة تفسير الواقع بنزعة تشاؤمية، أو إلى تبني سرديات تفسيرية بديلة تعيد لهم الإحساس بالسيطرة المعرفية.
وعلى الجانب الاجتماعى فقد أدت القضية إلى تآكل جزئي في رأس المال الاجتماعي العالمي، أي مخزون الثقة الذي يربط الأفراد بالمؤسسات. فحين تتكرر مؤشرات على أن أصحاب النفوذ يتمتعون بحصانة غير معلنة، تتراجع القناعة بمبدأ تكافؤ الفرص أمام القانون. وهذا التراجع لا يظل محصوراً في المجال القانوني، بل يمتد إلى المجال الثقافي، حيث تتغير نظرة المجتمعات إلى مفهوم النجاح ذاته؛ إذ قد يُعاد تفسير النجاح لا باعتباره نتيجة كفاءة، بل بوصفه نتاج شبكات خفية. ويُعد مثل هذا التحول الإدراكي أمراً خطيراً سوسيولوجياً، لأنه يضعف الحافز الأخلاقي للعمل ويعزز النزعات العدمية، وهي حالة نفسية جماعية تتسم بانخفاض الإيمان بجدوى القيم والمعايير.
فقد لعب الإعلام العالمي دوراً محورياً في تضخيم الأثر النفسي والاجتماعي للقضية. فالتغطية العابرة للحدود حوّلتها إلى حدث كوني، لا قضية محلية. ومن منظور نظرية وضع الأجندة، فإن كثافة التناول الإعلامي لا تحدد فقط ما يفكر فيه الناس، بل تحدد أيضاً كيف يفكرون فيه. فالتكرار المستمر لارتباطات إبستين بشخصيات دولية عزز إدراكاً عاماً بأن الفساد ليس انحرافاً فردياً بل نمطاً بنيوياً، وهو إدراك قد يدفع الرأي العام العالمي إلى تبني مواقف أكثر تشدداً تجاه النخب السياسية والاقتصادية.
هذا بالإضافة إلى ما أسهمت به على المستوى السياسي الدولي، حيث أسهمت في تغذية الخطابات الشعبوية عبر العالم. والتى تعتمد فى الأساس على سردية الصراع بين الشعب والنخبة، وقد وفّرت الفضيحة مادة واقعية عززت هذه الثنائية. فعلى المستوى الدولي فقد انعكس ذلك في تصاعد الشكوك الشعبية في المؤسسات متعددة الأطراف، مثل المنظمات الدولية والتحالفات الاقتصادية. حيث بدأ بعض المواطنين ينظرون إليها باعتبارها امتداداً لنفوذ النخب لا أدوات لخدمة المصالح العامة. هذا التحول في الإدراك الشعبي يمكن أن يؤثر في السياسات الخارجية للدول الديمقراطية، لأن الحكومات تصبح أكثر حساسية للضغوط الداخلية المشككة في التعاون الدولي.
كما أثرت القضية في صورة القوة الناعمة للدول المرتبطة رمزياً بشخصيات ورد اسمها في سياق الفضيحة. فالقوة الناعمة تقوم على الجاذبية الأخلاقية والثقافية، وعندما تتعرض هذه الجاذبية لتشويه رمزي، قد يتراجع تأثير الدولة في الرأي العام العالمي حتى دون صدور أي موقف رسمي. وتبرز هذه الظاهرة كيف يمكن لحدث غير سياسي في ظاهره أن ينعكس على التوازنات الدبلوماسية، لأن السمعة الدولية عنصر أساسي في تشكيل التحالفات وبناء الثقة بين الدول.
ويمكن تفسير الأثر العالمي للقضية عبر مفهوم عدوى عدم الثقة، وهي عملية تنتقل فيها مشاعر الشك من مجال إلى آخر. فالتشكيك في نزاهة شخصيات نافذة قد يمتد تدريجياً إلى التشكيك في نزاهة أنظمة سياسية كاملة، خصوصاً في عصر التواصل الرقمي، حيث تنتشر المعلومات بسرعة تفوق قدرة المؤسسات على احتوائها. ويعزز هذا الانتشار السريع ما يسمى بالاستقطاب المعرفي، إذ ينقسم الجمهور إلى معسكرات تفسيرية متعارضة، مما يزيد صعوبة بناء إجماع دولي حول القضايا الكبرى.
ولعل إيجابية الفضائح الكبرى تكمن فى كونها غالباً ما تؤدي وظيفة تصحيحية في النظام الدولي، لأنها تكشف الثغرات البنيوية التي كانت مخفية. وبالتالى يمكن اعتبار قضية إبستين مثالاً على الصدمة الإصلاحية، حيث يدفع الضغط الإعلامي والشعبي الحكومات إلى مراجعة تشريعاتها المتعلقة بالشفافية ومكافحة الاتجار بالبشر والجرائم العابرة للحدود. فقد تعزز هذه العملية التعاون الدولي في مجالات العدالة الجنائية، وتدفع نحو تطوير آليات رقابية أكثر صرامة.
فالأثر الحقيقي لفضائح إبستين لا يكمن فقط في بعدها الجنائي أو الأخلاقي، بل في قدرتها على إعادة تشكيل الإدراك العالمي للسلطة والنفوذ. حيث إنها كشفت عن هشاشة الحدود الفاصلة بين الخاص والعام، وبين الفردي والبنيوي، وأظهرت أن حدثاً واحداً يمكن أن يعيد توجيه المزاج النفسي العالمي، ويؤثر في الخطاب السياسي الدولي. ومن ثم يمكن النظر إليها بوصفها حالة نموذجية تبرز كيف تتحول الفضيحة من واقعة قضائية إلى ظاهرة نفسية سوسيولوجية عابرة للحدود، تعيد تعريف مفاهيم الثقة والشرعية والعدالة في الوعي الجمعي العالمي.
Recent comments