تجاوز إلى المحتوى الرئيسي
M

حين تتكلم الصواريخ… يصمت الوهم

 

في الحروب الكبرى لا تُقاس الحقيقة بما تقوله البيانات الرسمية، بل بما تكشفه الوقائع. وبين الرواية والواقع مسافة شاسعة، غالبا ما تملؤها الدعاية. فالإعلام الغربي يواصل رسم صورة انتصارٍ أميركي–إسرائيلي شبه كامل، بينما العالم خارج هذه الفقاعة يرى مشهداً مختلفاً تماماً: حربٌ تتسع، اقتصادٌ عالمي يرتجف، ونظامٌ دولي قديم يتآكل أمام أعين الجميع.
فالمشكلة ليست في صاروخ يُطلق أو قاعدة تُقصف، بل في الافتراض الاستراتيجي الذي حكم هذه الحرب منذ بدايتها: أن إيران ستنهار سريعاً تحت الضغط العسكري، أو أن المجتمع الإيراني سينقلب على قيادته مع أول ضربة قاصمة. لكن التاريخ لا يعمل بهذه البساطة. فالدول الحضارية ليست شركات عقارية تُجبرها الخسارة على توقيع صفقة والانصراف. إيران ليست مجرد نظام سياسي، إنها امتداد لحضارة فارسية عمرها آلاف السنين، عاشت الإمبراطوريات وسقوطها ونجت من حروب لا تحصى. ولهذا فإن قصفها لا يعني إخضاعها.
لقد بُنيت الحسابات في واشنطن وتل أبيب على وهمٍ قديم: أن التفوق العسكري قادر وحده على إنتاج النتيجة السياسية. لكن التجربة الحديثة تقول عكس ذلك. في العراق وأفغانستان، كما في حروب أخرى، أثبت التاريخ مرة بعد مرة أن التكتيك قد يكسب معركة، لكن الاستراتيجية وحدها هي التي تكسب الحرب. وما يبدو اليوم واضحاً هو أن الاستراتيجية غائبة، بينما يتكفل الزمن بكشف الثغرات.
الخطأ الأكبر في التفكير الأميركي هو إسقاط التجربة الغربية على مجتمعات مختلفة جذرياً.
ما قد يكسر إرادة دولة أوروبية حديثة، قد لا يفعل شيئاً يُذكر في دولة تشكلت عبر قرون من التاريخ والصراعات. ولذلك فإن اغتيال قائد أو قصف منشأة قد يحقق نصراً تكتيكياً، لكنه لا يصنع نهاية حرب. فالحروب لا تُحسم بإزالة شخص، بل بتغيير ميزان الإرادة والقدرة، وهو أمر أكثر تعقيداً بكثير.
إلى جانب ذلك، تكشف هذه الحرب خللًا عميقاً في الحسابات الغربية. فالولايات المتحدة وحلفاؤها استنزفوا جزءًا كبيراً من مخزوناتهم العسكرية خلال حرب أوكرانيا، ثم وجدوا أنفسهم فجأة أمام مواجهة جديدة في الشرق الأوسط. والحرب الحديثة ليست مجرد قرار سياسياً إنها اقتصاد وإمداد وصناعة. فإذا كانت المصانع لا تستطيع إنتاج الصواريخ بالسرعة التي تُستهلك بها، فإن الزمن نفسه يتحول إلى عامل حاسم في المعركة.
غير أن الخطر الأكبر لا يكمن في الجانب العسكري وحده، بل في الأثر الجيوسياسي العميق لهذه الحرب. فكل حرب كبرى تعيد ترتيب النظام الدولي، وهذه الحرب قد تفعل أكثر من ذلك: قد تسرّع نهاية مرحلة كاملة من الهيمنة الأميركية. فالعالم الذي تشكل بعد الحرب الباردة قام على افتراض واحد: أن الولايات المتحدة قادرة على فرض إرادتها في أي مكان. أما اليوم، فإن قوى كبرى مثل الصين وروسيا والهند تراقب المشهد من زاوية مختلفة، وتستعد لعالم لا تُكتب قواعده في واشنطن وحدها.
من هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: من سينتصر عسكرياً؟
بل: أي نظام دولي سيخرج من هذه الحرب؟
فالنصر في الحروب الكبرى لا يعني إسقاط نظام أو تدمير جيش، بل إعادة إنتاج الاستقرار. لكن ما يحدث اليوم هو العكس تماماً: أسواق مضطربة، طرق تجارة مهددة، ثقة دولية تتآكل، واستقطاب عالمي يتسع.
بل إن الحرب قد تكشف حقيقة أكثر قسوة: أن النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب الباردة لم يعد قادراً على الاستمرار بالشكل نفسه. فالعالم الذي كان يُدار من مركز واحد بدأ يتحول إلى عالم متعدد المراكز، تتوزع فيه القوة بين آسيا وأوروبا والشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، تبدو إيران حالة مختلفة. فالدول قد تسقط، والأنظمة قد تتغير، لكن الحضارات نادراً ما تُقهر بالقصف. إيران، باعتبارها امتداداً لحضارة فارس، ليست كياناً عابراً في التاريخ، بل جزء من سردية حضارية طويلة. ولهذا فإن فكرة إخضاعها بالقوة العسكرية تبدو أقرب إلى سوء فهم عميق لطبيعة الصراع.
لكن المفارقة الأكبر أن هذه الحرب قد لا تغيّر إيران بقدر ما قد تغيّر العالم نفسه. فمع كل يوم يمر، تتآكل صورة التفوق المطلق التي رافقت القوة الأميركية لعقود. ومع كل صاروخ يُطلق، يتأكد أن ميزان القوة العالمي لم يعد كما كان.
لهذا تبدو هذه الحرب أكثر من مجرد صراع إقليمي. إنها لحظة انتقال تاريخي، حيث يودّع العالم مرحلة قديمة ويبحث — وسط الضجيج والدمار — عن توازن جديد.
وفي مثل هذه اللحظات لا يكون السؤال: من أطلق الصاروخ الأول؟
بل السؤال الأهم: من سيكتب قواعد العالم الذي سيأتي بعده؟

………………………….. المستشار

إضافة تعليق جديد

Plain text

  • لا يسمح بوسوم HTML.
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.
  • Web page addresses and email addresses turn into links automatically.

test

ARAB OPEN UNIVERSITY
Advertisment
The subscriber's email address.