لماذا لم تُساند أوروبا ترامب؟
جمال رشدى
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
في الحرب الإيرانية الحالية، هناك مشهد غائب عن تحليل كثير من المحللين: ابتعاد أوروبا، الحليف التاريخي للولايات المتحدة، عن تقديم دعم مباشر لواشنطن. الأكثر إثارة للانتباه كان موقف بريطانيا، الحليف الوجودي لأمريكا، الذي جاء حذرًا وهادئًا، بعيدًا عن الانخراط العسكري أو السياسي المباشر.
لفهم هذا الموقف، يجب العودة إلى تجربة أوروبا مع الحرب الروسية–الأوكرانية. فقد اكتشفت العواصم الأوروبية أن الصراع، الذي صُوّر في البداية كمعركة لردع روسيا، تحوّل عمليًا إلى مستنقع استنزاف اقتصادي واستراتيجي. أوروبا دفعت ثمنًا باهظًا عبر أزمة الطاقة، وارتفاع التضخم، وتراجع تنافسية صناعاتها، بينما كانت واشنطن بعيدة نسبيًا عن الكلفة المباشرة.
مع مرور الوقت، بدأت أوروبا تدرك أن اندفاعها خلف الاستراتيجية الأمريكية لم يحقق لها مكاسب ملموسة، بل أضعف موقعها في ميزان القوى الدولي. وهكذا، جاء الحذر الأوروبي تجاه الأزمة الإيرانية ليس مجرد حياد، بل رسالة سياسية واضحة لواشنطن: أوروبا لن تُستنزف مرة أخرى في صراعات لا تخدم مصالحها المباشرة.
في هذا الإطار، تبدو روسيا اللاعب الأهم في الصراع الدولي الراهن. فعقليتها الاستراتيجية وقدرتها على إدارة قوتها الشاملة – العسكرية والسياسية والاقتصادية – مكنت موسكو من تحويل كل صراع إلى أداة لتثبيت النفوذ وتحقيق أهداف استراتيجية بعيدة المدى.
في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة قوة هائلة، لكنها غالبًا ما تفتقر إلى العقلية الاستراتيجية التاريخية التي تضبط اندفاعاتها. هذه الفجوة بين حجم القوة وطريقة إدارتها جعلت تحركات واشنطن في ملفات عالمية كالحرب الأوكرانية والإيرانية تبدو أحيانًا خطوات غير محسوبة النتائج، وهو ما يضعف قدرتها على الصمود أو التموضع في قمة النظام العالمي القادم متعدد الأقطاب.
وفي قلب هذا المشهد، الحرب الإيرانية الحالية ليست مجرد صراع إقليمي، بل محرك لتشكيل شرق أوسط جديد. لكن هذا الشرق الأوسط لن يتشكل وفق المخططات الأمريكية لإعطاء إسرائيل الهيمنة المطلقة، بل سيكون ميدانًا لصعود قوى إقليمية قادرة على إدارة الواقع الجديد بعقل استراتيجي.
وفي هذا السياق، تبرز مصر كلاعب رئيسي محتمل في قيادة هذا الشرق الأوسط الجديد. القوة العسكرية وحدها لا تكفي، بل الأهم هو العقلية الاستراتيجية التاريخية التي تشبه عقلية روسيا في توظيف القوة الشاملة بحكمة، لتصنع من الموازنة بين القوة والذكاء السياسي مهابة قادرة على تحقيق الأهداف دون الانزلاق إلى الصدام، وتضع مصر في موقع الريادة ضمن النظام الإقليمي الجديد.
Recent comments